الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

عين على ألمانيا

27 أكتوبر 2026 00:00 صباحًا | آخر تحديث: 27 أكتوبر 2026 00:01 صباحًا
دقائق القراءة - 3
شارك
share
في سياق الاهتمام بما يجري في أوروبا ومستقبلها السياسي، تركز التغطيات والتحليلات والتعليقات حالياً على فرنسا، إذ تواجه حكومة الرئيس إيمانويل ماكرون تحديات متعددة، من مظاهرات الطلبة إلى الاحتجاجات على السياسات الاقتصادية في وقت تزيد فيه حظوظ اليمين المتشدد واليسار في الانتخابات المقبلة.
مع أن فرنسا تمثل القطب الثاني للاتحاد الأوروبي، مع ألمانيا، وأي تغيير سياسي فيها سيكون له أبعاد أوروبية تتجاوز فرنسا ذاتها، إلا أن ألمانيا تبقى بؤرة التأثير في أوروبا كلها. ليس فقط لأن الاقتصاد الألماني هو الأكبر أوروبياً، إنما لأن نموذج الحكم فيها منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية يمثل نموذجاً لما يسمى «التوافق» السياسي.
ذلك النمط من الحكم هو الذي حافظ على الجمهورية الألمانية الحالية منذ تأسست عام 1949 وكذلك خلال وما بعد توحيد الألمانيتين الشرقية والغربية بنهاية الحرب الباردة القرن الماضي وسقوط «جدار برلين». وإذا كانت فرنسا مرت في ثلاثة أرباع القرن الأخير بأكثر من أربع جمهوريات، فإن ألمانيا ظلت محافظة على ذلك النموذج للحكم.
صحيح أن فرنسا قد تكون انطلاق شرارة تغيير في أوروبا، بالتحول إلى اليمين المتطرف أو شكل من أشكال «الاضطراب السياسي الممتد» في صراع بين هوامش السياسة من يمين متطرف ويسار متشدد، لكن التغيير الأوروبي الحقيقي يمكن أن يكون من ألمانيا.
كما أن الاقتصاد الألماني يواجه أيضاً تحديات قد لا تكون بحجم التحديات التي تواجهها فرنسا، إنما هناك أيضاً غضب شعبي من بعض السياسات الحكومية لحكومة المستشار فريدريش ميرتس الذي لم يمض إلا نحو عام ونصف في الحكم الآن متزعماً ائتلافاً من حزبه الاتحاد المسيحي والحزب الاشتراكي الديمقراطي. تعد سياسة التحالف في الحكم بين الأحزاب الألمانية التقليدية نموذجاً مختلفاً في أوروبا منذ عقود، وهذا ما بدأ يتدهور بشدة مؤخراً. بالتأكيد كان لصعود اليمين المتطرف في الولايات المتحدة وبعض جوانب أوروبا تأثير على جيل جديد من الألمانيين بدؤوا يفقدون الثقة في النظام القديم.
وكرد فعل على قوة تيار اليمين المتطرف، بعيداً عن يمين الوسط التقليدي، برزت قوى اليسار المتشدد أيضاً. وفي أحدث انتخابات ولائية في الأسابيع الأخيرة فاز «حزب البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف بولاية في شمال شرقي البلاد وفاز «حزب دي لينكه» اليساري في ولاية برلين.
ركزت التحليلات والتعليقات على أن ذلك نتيجة التصويت الاحتجاجي على سياسات حكومة ميرتس الاقتصادية والاجتماعية، إنما الواقع أن هذا المنحى يعكس في جوهره ابتعاداً للألمان عن النموذج التقليدي للحكم بالتوافق من خلال ائتلافات الأحزاب التقليدية.
الوجه الآخر للمشكلة في ألمانيا أن الأحزاب التقليدية مثل الاتحاد المسيحي والاشتراكي الديمقراطي وحتى الخضر والأحرار تعاني أزمات داخلية تضعف قدراتها على إدارة البلاد حتى لو فازت بأصوات تكفي لتشكيل ائتلاف حكومي منها. فحزب ميرتس يشهد صراعات تضعف وضع المستشار الذي يترأس الحكومة. وحليفه الاشتراكي يواجه صراعات على زعامته تزيد من فقدان الناخبين الثقة بقدرته على الحكم.
الأهم أن شكل «الحكم التوافقي» بدأ في التغير. فالحزب الشريك في الائتلاف الحاكم، الاشتراكي الديمقراطي، وحزب الخضر يتفاوضان مع اليسار المتشدد الذي فاز في العاصمة برلين لتكوين ائتلاف لحكم الولاية. ويهدد ذلك بالفعل الائتلاف الحاكم في البلاد حيث لا يمكن للاتحاد المسيحي والمستشار ميرتس أن يقبلا بتحالف شريكهم في حكم ألمانيا مع اليسار المتشدد في برلين.
حتى الآن، ما زال النظام في ألمانيا «توافقياً» أياً كان الفائز بأغلبية الأصوات لأنه يحتاج لتحالف مع أحزاب أخرى. ورغم كل استطلاعات الرأي وتوقعات المحللين يصعب تصور أن يفوز اليمين المتطرف أو اليسار المتشدد بشكل كاسح في أي انتخابات تمكنه من الحكم منفرداً.
إنما انتقال الأغلبية إلى الأحزاب والتيارات الهامشية، كما أظهرت الانتخابات المحلية الأخيرة، يشير إلى بداية نهاية «التوافقية التقليدية» وتطلع الألمان إلى تغيير جذري. وهذه هي نواة أي تغيير محتمل في أوروبا.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة