على مدى عدة عقود، سار التحول في الطاقة النظيفة في إطار خطط تسوية مقلقة. فمن أجل إنقاذ الكوكب من الوقود الأحفوري، استبدل الغرب الاعتماد على نوع من أنواع الوقود بنوع آخر، وتمثل ذلك في مقايضة خطوط أنابيب النفط في الشرق الأوسط بمناجم الليثيوم في أمريكا الجنوبية وخطوط المعالجة في شرق آسيا.
ومع ذلك، تماماً كما لاح في الأفق مخرج تكنولوجي – ألا وهو بطارية أيون الصوديوم، المدعومة بمشتقات ملح الطعام المتوافرة في الأرض – فإن الغرب يستمر في تفويت الفرصة. وفي الوقت الذي يظل فيه صانعو السياسات ورأس المال المخاطر في الغرب مهووسين بالتعديلات الإضافية على كيمياء الليثيوم، قامت الصين بهدوء بعسكرة السياسة الصناعية للاستيلاء على ثورة أيون الصوديوم. والنتيجة هي اتساع الهوة بين الجانبين ما يهدد بتخلف شركات السيارات ومشغلي الشبكات في الغرب وعجزهم عن مواكبة مسار المنافسة هيكلياً.
ولفهم حجم هذا الإخفاق، يجب على المرء أن ينظر إلى ما يحدث على أرض المصانع. لم تكن تكنولوجيا أيون الصوديوم يوماً اختراعاً غربياً أو شرقياً بحتاً؛ فقد دُرست أساسياتها الكيميائية عالمياً على مدى سنوات. لكن الفجوة بين البراعة الأكاديمية والهيمنة التجارية تكمن في القدرة على التوسع. وفي الوقت الذي تكافح فيه الشركات الناشئة الغربية شح رأس المال، وتوجس المستثمرين، واختناقات المصانع عالية المستوى، نجح عمالقة الشركات الصينية مثل «كاتل» (CATL) و«بي واي دي» (BYD) في نقل أيون الصوديوم من غرف المختبرات إلى واقع عملي ضخم واسع النطاق.
وتؤكد المعطيات الأخيرة هذه السرعة. فقد أبرمت التكتلات الصينية الكبرى اتفاقيات توريد تاريخية – مثل عقود نشر متعددة الغيغاواط- ساعة لتخزين الطاقة على مستوى الشبكة – ودمجت خلايا أيون الصوديوم مباشرة في سيارات الركاب ذات السوق الشامل. وقد عززت هذه الشركات كثافة الطاقة لتتجاوز 175 واط-ساعة/كغ، وهو عتبة تجعل بطاريات الصوديوم قابلة للتطبيق بالكامل لتخزين الطاقة الثابتة، علاوة على تشغيل السيارات الكهربائية السائدة وبأسعار معقولة. يضاف إلى ذلك، أداؤها في درجات الحرارة تحت الصفر ومتانة دورة الحياة القصوى ما يعني أنها ليست بدائل مؤقتة أدنى مستوى؛ بل هي أنظمة طاقة قوية وممتازة الجودة.
يعود هذا التراجع في جوهره إلى الرضا الهيكلي عن النفس والنهج الضيق تجاه الاستراتيجية الصناعية. تمتلك أمريكا الشمالية وأوروبا مبتكرين أذكياء، لكن البيئة اللازمة لتوسيع نطاق الأجهزة منقسمة. لقد اعتمدت السياسة الغربية بشدة على الإعانات من جانب الطلب – مثل الإعفاءات الضريبية لمشتري السيارات الكهربائية – دون تأمين سلاسل التوريد الأساسية أو تحمل «وادي الموت» الوحشي وعالي التكلفة المرتبط بتوسيع نطاق معدات التصنيع الجديدة.
في المقابل، تتعامل الصين مع أجهزة الطاقة النظيفة كبنية تحتية متكاملة للنظام. فمن معالجة كربونات الصوديوم الخام وتصنيع الكاثودات المتخصصة إلى تصميم آلات المصانع الثقيلة اللازمة لبناء الخلايا، تسيطر بكين على ما يُقدر بنحو 90% إلى 95% من كامل مشاريع أيون الصوديوم العالمية. وتتمتع المصانع الصينية بمزايا التكلفة النظامية الكاملة ووفرة الحجم الهائلة، ما يمكنها من إنتاج خلايا الصوديوم بجزء بسيط من التكاليف الغربية.
ولا شك في أن الآثار الاستراتيجية لهذا التخلف عميقة، إذ تتموضع بطاريات أيون الصوديوم بشكل فريد لتسيطر على قطاعين مزدهرين: تخزين الطاقة على نطاق الشبكة – وهو أمر بالغ الأهمية لإدارة التقطع في طاقة الرياح والطاقة الشمسية – والسيارات الكهربائية وهو قطاع ناشئ يحمل الكثير من الوعود. ومن خلال السيطرة على الصوديوم، تسد الصين المنافذ على الفئات ذاتها التي سوف تحدد إمكانية الوصول إلى الطاقة للعالم النامي والمستهلكين المحليين ذوي الدخل المنخفض.
وإذا أخفقت الشركات الغربية في التفاعل، فسوف تواجه مفارقة مخزية. فبعد أن أنفقت مليارات الدولارات في محاولة فصل سلاسل توريد الليثيوم التقليدية عن السيطرة الأجنبية، قد تجد نفسها تعتمد بالكامل على الملكية الفكرية والآلات والخلايا النهائية الصينية للجيل القادم من تخزين الطاقة البديلة. وحينها ستكون قد استبدلت شكلاً واحداً من أشكال التبعية الأجنبية بتبعية صناعية أعمق.
*رئيس شركة «بليدسو وشركاه» للاستشارات الاقتصادية، عمل في فريق البيت الأبيض المعني بتغير المناخ «ريال كلير إنرجي»
