عرفتُ سمو الشيخ أحمد بن سعيد آل مكتوم، منذ أكثر من ثلاثة عقود، في السنوات الأولى التي أعقبت تأسيس طيران الإمارات، تلك الشركة العملاقة التي أصبحت «درّة تاج دبي»، وإحدى أبرز قصص نجاحها، ورافعة علم دولة الإمارات في سماء العالم، تجوب به القارات بكل فخر، وتمثل وطنها خير تمثيل.
ومنذ ذلك الحين، لم يتغيّر الشيخ أحمد بن سعيد. هو هو، كما عرفته أول مرة. لم تغيّره السنون، ولا النجاحات المتلاحقة، ولا المناصب والمسؤوليات الكبيرة، ولا الملفات الصعبة والشائكة. يلقاك بابتسامة ويودعك بمثلها، بهدوء، وثقة، وسمو، وبتواضع لا يفارق الكبار مهما ارتفعت مكانتهم، واتسعت إنجازاتهم.
ولعلّ أكثر ما يميّزه أنه لا يتحدث كثيراً عن إنجازاته، ولا يحتاج إلى ذلك، فالإنجازات تتحدث عنه، والمؤسسات التي يقودها تقف شاهدة على ما تحقق. إنه من أولئك الرجال الذين يعملون أكثر مما يتحدثون، ويتركون لأفعالهم أن تقول ما يعجز الكلام عن وصفه.
ولهذا، لم يكن مستغرباً اختيار سمو الشيخ أحمد بن سعيد لجائزة «دبي للأفعال Dubai-it»، وإعلان سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع، رئيس المجلس التنفيذي لإمارة دبي، تكريمه، تقديراً لدوره الاستثنائي في تطوير قطاع الطيران، وترسيخ مكانة دبي مركزاً عالمياً لهذه الصناعة.
فالجائزة لم تذهب إلى رجل حقق نجاحاً عابراً، وإنما إلى رجل ارتبط اسمه بمسيرة امتدت أربعة عقود، تحوّلت خلالها الأحلام الكبيرة إلى حقائق أكبر، وأصبحت دبي واحدة من أهم عواصم الطيران في العالم.
بدأت الحكاية عام 1985 بطائرتين مستأجرتين، وطموح لا يعرف الحدود. واليوم أصبحت طيران الإمارات اسماً عالمياً في صناعة النقل الجوي، ومثالاً للجودة والتميز، فيما تحوّل مطار دبي الدولي إلى أحد أكثر مطارات العالم ازدحاماً بالمسافرين الدوليين، وبوابة تربط دبي بمختلف قارات العالم.
ولم يقتصر دور الشيخ أحمد بن سعيد على الطيران وحده، وإن كان عنوان إنجازاته الأبرز، فهو الرئيس الأعلى والرئيس التنفيذي لطيران الإمارات والمجموعة، ورئيس هيئة دبي للطيران المدني، ورئيس مطارات دبي وفلاي دبي، ورئيس مجلس إدارة سوق دبي الحرة.
وتتسع مسؤولياته لتشمل رئاسة اللجنة العليا للسياسة المالية، والمجلس الأعلى للطاقة، وسلطة دبي للمناطق الاقتصادية المتكاملة، ودبي القابضة، ومجلس إدارة بنك الإمارات دبي الوطني، فضلاً عن رئاسته عدداً من المؤسسات الاقتصادية، والتنموية، والتعليمية.
إنها مسؤوليات ضخمة وملفات متشعبة، تتطلب رؤية وحكمة، وقدرة على اتخاذ القرار، لكنه ظل، على الرغم من كل ذلك، كما عرفناه: هادئاً، متزناً، قريباً من الناس، لا يستعرض سلطة، ولا يجعل من المنصب حاجزاً بينه وبين الآخرين. وهذه، في تقديري، من أجمل صفات القائد الناجح، أن تكبر إنجازاته من دون أن تكبر المسافة بينه وبين الناس.
ولا يمكن الحديث عن سمو الشيخ أحمد بن سعيد، رجل الأفعال، من دون التوقف عند صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، الذي وضع ثقته فيه، وأسند إليه مسؤوليات كبرى، وكان داعماً لمسيرته طوال هذه العقود.
ومحمد بن راشد قائد يعرف كيف يختار الرجال، وكيف يبني فرق العمل، وكيف يمنح الثقة لمن يستطيع تحويل الرؤية إلى واقع. فهو لا يكتفي بالأفكار الكبيرة، بل يريد لها رجالاً يتولون تنفيذها، ويتحملون مسؤوليتها حتى تتحقق النتائج. وكان أحمد بن سعيد أحد أبرز من جسّدوا هذه المدرسة في القيادة، والعمل، والإنجاز.
وما تحقق في قطاع الطيران لم يكن وليد المصادفة، بل ثمرة رؤية بعيدة المدى، وثقة متبادلة، وعمل مؤسسي متواصل، وقدرة على مواجهة التحديات، والجمع بين الحزم والهدوء، والطموح والواقعية، والقيادة وروح الفريق.
إن تكريمه بجائزة دبي للأفعال يحمل معنى يتجاوز شخصه الكريم. إنه تكريم لقيمة العمل، وللرجال الذين ينجزون بصمت، ويواجهون التحديات بثبات، ويصنعون النجاح بعيداً عن الضجيج. ورسالة للأجيال الجديدة بأن الإنجازات الكبرى لا تتحقق بالشعارات، وإنما بالإرادة، والصبر، والمثابرة.
لم يكن أحمد بن سعيد بحاجة إلى جائزة لتشهد له بالإنجاز، فقد سبقته أعماله إلى العالم. لكن الجائزة جاءت لتؤكد أن دبي تعرف رجالها، وتقدّر عطاءهم.
وإذا كانت طيران الإمارات درّة تاج دبي، فإن أحمد بن سعيد واحد من الرجال الذين صاغوا هذه الدرّة بالعمل، والحكمة، والإخلاص. فاز بالجائزة، لكن دبي هي التي فازت، على مدى أربعة عقود، برجل جعل من الأفعال عنواناً لمسيرته، ومن الإنجاز لغة لا تحتاج إلى ترجمة
