يمر العالم اليوم بمخاض تاريخي عميق، تتداخل فيه التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية والتكنولوجية، وتتفاقم خلاله الأزمات والصراعات والتوترات، في مشهد يعكس حجم التعقيد الذي بلغته العلاقات الدولية، وتراجع قدرة كثير من الأدوات التقليدية على التعامل مع متطلبات العصر. ولم يعد السؤال المطروح على العالم هو كيفية إدارة هذه الأزمات فحسب، بل كيف يمكن عبور هذا المخاض بأقل الخسائر وأقصر مدة، والانتقال إلى مرحلة أكثر استقراراً وتوازناً وتعاوناً، تحفظ للإنسان أمنه وكرامته، وللحضارة الإنسانية مكتسباتها ومستقبلها.
إن العالم اليوم لا يفتقر إلى القوة أو الثروة أو المعرفة، بقدر ما يحتاج إلى الحكمة والبصيرة في توظيف هذه الإمكانات، وإلى القدرة على بناء التوافقات وإدارة المصالح المشتركة، وإدراك أن التحديات التي تواجه البشرية لم تعد قابلة للمعالجة بمنطق الصراع والغلبة، وإنما بمنطق التعاون وتكامل المسؤوليات.
وفي خضم هذه التحولات، جاء ترشيح دولة الإمارات العربية المتحدة للانا زكي نسيبة لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، ليطرح دلالات تتجاوز الخبرة الدبلوماسية الرفيعة التي تتمتع بها المرشحة، والمناصب الدولية التي شغلتها، إلى أبعاد أعمق تتصل بالتجربة الإماراتية ذاتها، وما يمكن أن تقدمه للعالم في هذه اللحظة التاريخية الاستثنائية.
إن دولة الإمارات، في تقديرنا، لا تقدم للعالم من خلال هذا الترشيح شخصية قيادية متمرسة فحسب، وإنما تقدم مشروعاً حضارياً رائداً، وتجربة حية من أكثر التجارب التنموية والإنسانية نجاحاً، قامت منذ تأسيسها على الحكمة والتوافق والتسامح والتعايش، وجعلت الإنسان محور اهتمامها، والتنمية والاستدامة أساساً لتقدمها، والانفتاح والتعاون نهجاً في علاقاتها مع العالم.
لقد نشأت دولة الإمارات من تجربة اتحادية فريدة، استطاع من خلالها الآباء المؤسسون، وفي مقدمتهم المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، أن يحولوا التعدد إلى وحدة، والاختلاف إلى توافق، والإمكانات المتفرقة إلى قوة بناء وتنمية، في تجربة لم تكن مجرد إنجاز سياسي في إقامة دولة اتحادية، وإنما كانت تعبيراً عن فلسفة في الحكم وإدارة المصالح، تقوم على الحوار والحكمة وتغليب المشتركات واستشراف المستقبل.
ولم تتوقف هذه الفلسفة عند مرحلة التأسيس، بل امتدت عبر مسيرة الدولة، فأصبح الاستثمار في الإنسان، وتعزيز التعليم والصحة، وبناء المؤسسات، وتطوير الاقتصاد، والانفتاح على العالم، ركائز أساسية لمشروع تنموي متواصل، استطاع أن يحقق تحولات عميقة خلال عقود قليلة.
وهذه التجربة، على ما تتميز به من خصوصية وطنية وتاريخية، تحمل في جوهرها قيماً ومبادئ إنسانية تتجاوز حدود الجغرافيا، ويمكن أن تسهم في إثراء التفكير الدولي حول سبل إدارة الاختلافات، وتحقيق التوافقات، وبناء مجتمعات أكثر استقراراً وازدهاراً.
ومن هذا المنظور، يمكن قراءة توقيت الترشيح الإماراتي باعتباره تعبيراً عن إدراك الدولة لطبيعة المرحلة التي يمر بها العالم، ووعيها بحجم التحولات التي تعيد تشكيل العلاقات الدولية، وما تتطلبه من أفكار وأساليب جديدة في إدارة شؤون المجتمع الدولي.
وهنا تبرز أهمية التجربة الإماراتية التي قامت على التوافق، واستطاعت أن تجعل من التنوع والتعدد مصدر قوة، وأن تجمع بين المحافظة على هويتها الوطنية والانفتاح على الحضارات والثقافات المختلفة.
إنها تجربة لا تدعو العالم إلى استنساخها، وإنما تقدم المبادئ والقيم التي أسهمت في نجاحها، باعتبارها إسهاماً حضارياً في البحث عن حلول للتحديات الإنسانية المشتركة.
وفي هذا السياق، تكتسب شخصية لانا نسيبة أهمية خاصة، ليس فقط لما تتمتع به من خبرة واسعة في العمل الدبلوماسي متعدد الأطراف، وإنما أيضاً لما تمثله تجربتها المهنية من ارتباط بنهج الإمارات في الحوار وبناء التفاهمات.
وقد أتاحت لها هذه التجربة التعامل المباشر مع تعقيدات النظام الدولي، والتعرف إلى طبيعة التباينات بين الدول، وحدود الأدوات المتاحة للمؤسسات الدولية، وما تتطلبه الدبلوماسية من صبر وحكمة وقدرة على تقريب وجهات النظر.
ومن هنا، فإن الأمم المتحدة مطالبة بتطوير أدواتها وآلياتها، وتعزيز قدرتها على التعامل مع تعقيدات العصر، والانتقال تدريجياً من الاكتفاء بإدارة الأزمات إلى المساهمة في معالجة أسبابها، ومن الاستجابة للكوارث إلى العمل على الوقاية منها، ومن التعامل مع المصالح الدولية باعتبارها متعارضة بالضرورة إلى البحث عن مجالات تكاملها.
إن المخاض الذي يمر به العالم ليس مجرد أزمة عابرة، وإنما يعكس، في جانب مهم منه، تحولات تاريخية عميقة تدفع البشرية إلى إعادة النظر في أنماط العلاقات الدولية، وفي كيفية إدارة الموارد والمصالح والمسؤوليات المشتركة.
غير أن عبور هذا المخاض لا يحدث تلقائياً، ولا يخلو من المخاطر والتكاليف، بل يحتاج إلى قيادات تمتلك الحكمة والبصيرة، ومؤسسات دولية قادرة على بناء التوافقات، وإرادة جماعية تدرك أن مستقبل البشرية أصبح مسؤولية مشتركة.
فالإمارات لا تقدم شخصية قيادية فحسب، وإنما تقدم تجربة حضارية حية، ورصيداً من القيم والمبادئ التي يمكن أن تسهم في مساعدة العالم على عبور مخاضه التاريخي بأقل كلفة وأقصر مدة، نحو مستقبل أكثر أمناً واستقراراً وتعاوناً وازدهاراً.
