الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

أوروبا الغاضبة.. من يرث الشارع؟

30 أكتوبر 2026 00:01 صباحًا | آخر تحديث: 30 أكتوبر 2026 00:06 صباحًا
دقائق القراءة - 3
شارك
share
حين يخرج الناس إلى الشوارع في مدن اعتادت تقديم نفسها نموذجاً للاستقرار والرفاه، فإن ما يهتز يتجاوز شعبية حكومة أو مستقبل أو رئيس. يهتز الوعد الذي قامت عليه الحياة الأوروبية الحديثة: أن يعمل الإنسان فيستطيع العيش بكرامة، وأن يدفع الضرائب فيجد مدرسة ومستشفى وحماية اجتماعية، وأن تكون حياة أبنائه أفضل من حياته. حين يهتز هذا الوعد يبدأ الغضب، والخوف من الفوضى التي ترافق الاحتجاج، وتتسع مساحة الفرص أمام سياسة اليمين المتطرف.
هناك عند المسافة الفاصلة بين مواطن يشعر أنه مَتروك، وآخر يخشى على أمنه، تُخَاض معركة على مستقبل أوروبا. وتبدأ الأسئلة: من يُفسر الأزمة؟ ومن يُحدد المسؤول؟ ومن يستطيع تحويل الخوف إلى أصوات انتخابية؟
في تقرير نشرته «يورونيوز» في 19 أكتوبر (تشرين الأول)2026، شرحت أنجيلا بارنز اختلاف دوافع الاحتجاجات: ففي فرنسا حضرت مطالب الطلاب والخدمات العامة وكلف المعيشة. وفي البرتغال برزت الأجور والمعاشات والسكن، وفي بلجيكا التقت الضغوط المعيشية مع مشكلات التعليم، وفي إيطاليا حضرت الأسعار والأوضاع الاقتصادية. هذه المطالب تتقاطع، لكنها لا تصدر عن تنظيم أوروبي موحّد ولا تحمل برنامجاً سياسياً واحداً.
لذلك ينبغي التمييز بين احتجاج اجتماعي يطالب بإصلاح الخدمات، وتعبئة قومية تعادي الهجرة، وتَظاهُر يستثمره اليمين المتطرف. كما ينبغي الفصل بين جمهور يمارس حقه في الاحتجاج، ومجموعات ترتكب التخريب أو النهب. الخلط بينها يطمس المطالب، ويمنح الأطراف المتصارعة فرصة لتقديم الصور التي تخدم روايتها.
لقد وثقت «لوموند» في تغطيتها لمظاهرات فرنسا في 17 أكتوبر(تشرين الأول) مشاركة طلاب ونقابيين وأفراد من حركة السترات الصفراء وتيارات يسارية، مع وقوع أعمال عنف ونهب على هامش التحركات، وأكدت أن وجود النهب والعنف حقيقة تستوجب المحاسبة.
في قلب الأزمة برز سؤال بسيط، لماذا لم يعد العمل كافياً لضمان الاستقرار؟ عندما تلتهم كلفة العمل القسم الأكبر من الدخل، تصبح الأرقام الحكومية عن النمو بعيدة عن التجربة اليومية. وحتى تراجع التضخم لا يعني عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة، فقد يعني أنها ترتفع بوتيرة أبطأ. وهذه نقطة أساسية في تفسير استمرار الاحتقان رغم الأخبار الاقتصادية التي قد تبدو مُطمئِنة. يتحول الضغط المعيشي إلى أزمة سياسية حين يشعر المواطن بأن المؤسسات لا تسمعه. وأن الانتخابات تغيّر الوجوه أكثر مما تغيّر حياته. أما في تقرير رويترز الذي نشر في 20 أكتوبر الماضي، ربط الصحفيون بين ارتفاع كلف الوقود والمعيشة وبين الزخم الذي تكتسبه قوى اليمين المتطرف. وأشار التقرير إلى أن صدمة الطاقة المرتبطة بحرب الخليج زادت الضغط على حكومات تواجه أصلاً معضلات النمو والإنفاق والأسعار.
هنا تتصل السياسة الخارجية بالمائدة اليومية، فنجد أن الحروب التي تبدو بعيدة جغرافياً قد تدخل البيوت عبر فاتورة التدفئة وكلفة النقل. وهكذا نجد أن الأزمة في الخليج تنعكس على أوروبا بسبب النقص في إمدادات الطاقة، وهنا يبدأ سؤال المتظاهرين يتردد: لماذا ندفع ثمن حرب لا نملك قرار إيقافها؟ علينا أن نذكر أن ارتباط أوروبا بالخليج لا يقتصر على شراء النفط الخام، فهي تستورد أيضاً الديزل الذي تحتاج إليه الشاحنات والآلات الزراعية وقطاعات الإنتاج. أزمة الخليج سرّعت الأزمة الأوروبية لأنها أضافت صدمة إلى الضغوط المعيشية المتراكمة. لم تبدأ مشكلة الأوروبيين معها لكنها جعلت تَحمّلها أصعب.
أما اليمين المتطرف فقد أجاد الاستثمار في المظاهرات وارتفعت فرصه في الاستفادة منها. وقد رصدت رويترز في 20 أكتوبر استثمار مارين لوبان الغضب من الوقود عبر المطالبة بخفض ضرائبه، واستثمر حزب «البديل من أجل ألمانيا» أزمة الطاقة للدعوة إلى استعادة العلاقات مع روسيا. وهكذا تحوّل الضيق الاقتصادي إلى مكسب للتطرف. الحقيقة أن الناخب قد لا يكون مقتنعاً بأفكار متطرفة، لكنه في الضيق يفقد ثقته بالأحزاب الأخرى فيبحث عن الطرف الذي يبدو أشد رفضاً لها.
وفي التاريخ نجد العِبر: ألمانيا بعد الكساد الكبير سرّعت بصعود النازية، الدرس هنا أن الخوف الاقتصادي يصبح أخطر حين تجتمع معه مؤسسات ضعيفة ونخب تعتقد أنها تستطيع احتواء المتطرفين بعد تمكينهم. وفي إيطاليا استثمر موسوليني التضخم والخوف الاجتماعي، وقدّم الفاشية باعتبارها قوة تعيد النظام. وحينما نسأل من سيرث الشارع؟ علينا أن نتَذكّر: الخوف والفوضى والضيق.. هو الطريق إلى التطرف.
[email protected]
كاتبة وباحثة في الدراسات الإعلامية

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة