الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

التسوية المعقدة

31 أكتوبر 2026 00:02 صباحًا | آخر تحديث: 31 أكتوبر 2026 00:02 صباحًا
دقائق القراءة - 2
شارك
share
تتلاحق تطورات الأزمة الأوكرانية لترسم ملامح مرحلة معقدة وحرجة للغاية، حيث تتشابك الميادين العسكرية المشتعلة مع حسابات المصالح الاستراتيجية الضخمة، وصفقات الطاقة والنفط. وبينما تتأرجح الأطراف المعنية بين رغبة أمريكية ملحّة في إنهاء الحرب ومواقف روسية متمسكة بتحقيق أهدافها كاملة، تبرز جولة المحادثات المرتقبة في نوفمبر المقبل، بين الأطراف الرئيسية بوصفها محطة فارقة، واختباراً حقيقياً لمدى نضج شروط التسوية السياسية، وطبيعة الضمانات المقدمة للجميع.
لا يمكن قراءة تصريحات الكرملين الأخيرة، التي ربطت موقفها الصريح من المفاوضات الثلاثية بعدم شن كييف أيّ هجمات واسعة النطاق خلال احتفالات «يوم الوحدة الوطنية» الروسي في الرابع من نوفمبر، بمعزل عن سياسة «عصا الميدان وجزرة التفاوض» التي تتقنها موسكو، وتعتمدها دائماً. فهذه الشروط تعكس حرص القيادة الروسية على تأمين جبهتها الداخلية، وفي الوقت ذاته، إرسال رسائل حازمة مفادها أن المسار الدبلوماسي لن يسير أبداً تحت وقع الضغوط العسكرية.
وعلى خط الصفيح الساخن ذاته، تسعى إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للوصول إلى اختراق حقيقي عبر طرح حزمة كبيرة من الصفقات التجارية الضخمة، تشمل استئناف المشروعات النفطية المشتركة قبالة سواحل جزيرة سخالين، وإعادة تشغيل خط أنابيب «دروجبا»، واستغلال التيتانيوم، وصولاً إلى فتح المجال الجوي الروسي أمام شركات الطيران الغربية. وهذه المقترحات الاقتصادية، التي تهدف بالأساس لاستدراج موسكو لنقاط تقاطع مشتركة، تتصادم مباشرة مع تحفظات أوروبية شديدة، خصوصاً بعد استبعاد الممثلين الأوروبيين من الجولة التفاوضية القادمة، ما يعزز المخاوف القارية من صياغة خريطة جيوسياسية جديدة بمعزل عن عواصم القارة العجوز.
لم يكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مبالغاً حين أبدى خشيته الصريحة والعلنية من اتفاقات تعيد صياغة «يالطا» جديدة، تعيد رسم مناطق النفوذ والتأثير على حساب سيادة كييف ووحدة أراضيها، والمعروف أن «مؤتمر يالطا» عقد بعد الحرب العالمية الثانية لتقسيم النفوذ بين المنتصرين.
في المقابل، يرفض الكرملين فكرة الهدنة المؤقتة كلياً، باعتبارها مجرد استراحة محارب تمنح الجيش الأوكراني فرصة لإعادة تنظيم صفوفه والتقاط الأنفاس وتسليح قواته، مصرّاً على أن أي سلام مستدام ينبغي أن ينطلق أساساً من معالجة الأسباب الجذرية للنزاع، والاعتراف المباشر بالواقع الميداني الجديد.
ومع استمرار الهدنة الإنسانية المحدودة في مدينة أوليشكي جنوبي أوكرانيا كجسّ نبض إنساني ضيق لتسهيل عبور المساعدات الأساسية للسكان المحاصرين، تتضح الحقائق جلياً للجميع، أن إنهاء هذا الصراع المعقد لن يتحقق بلمسة ساحر، ولا بصفقات تجارية بمليارات الدولارات تبحث عن الربح السريع فقط، فالأزمة أعمق بكثير من مجرّد معادلة اقتصادية عابرة، إذ تتطلب تفاهمات صلبة حول الضمانات الأمنية الشاملة وموازين الردع الاستراتيجي، وإلا فإن القادم سيكون أشد قسوة وأكثر تعقيداً على كل الأطراف المعنية في القارة وخارجها بالتأكيد.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة