عندما تعلن دولة الإمارات اعتماد «يوم زايد المؤسس»، في 7 يناير، مناسبة وطنية سنوية، فإنها تؤكد أن الأمم العظيمة لا تكتفي بالاحتفاء بإنجازاتها، بل تحرص على صون القيم التي صنعت تلك الإنجازات. فالمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، لم يكن مؤسس دولة فحسب، بل مؤسس رؤية حضارية ما زالت آثارها ممتدة في مسيرة الاتحاد، وماثلة في منجزات التمكين، وحاضرة في توجهات الاستدامة وصناعة المستقبل.
وعندما نتأمل ما وصلت إليه دولة الإمارات اليوم من مكانة عالمية في مجالات التنمية، والاقتصاد، والابتكار، وجودة الحياة، فإن من الضروري أن نستحضر واقع المنطقة قبل قيام الاتحاد. فقد كانت الخدمات التعليمية والصحية ومرافق البنية التحتية الحديثة، لا تزال في مراحلها الأولى.
وفي خضم تلك التحديات برزت رؤية الوالد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، القائمة على أن بناء الإنسان هو المدخل الحقيقي لبناء الدولة، وأن الاستثمار في التعليم والصحة والتنمية هو الطريق نحو مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً.
ومن منظور تاريخي وتنموي، يمكن قراءة التجربة الإماراتية من خلال ثلاث مراحل مترابطة ومتتابعة، تشكل في مجموعها قصة نجاح وطنية فريدة: مرحلة التأسيس، ومرحلة التمكين، ومرحلة الاستدامة.
- مرحلة التأسيس- بناء الدولة والإنسان:
مثّلت مرحلة التأسيس الانطلاقة الكبرى للمشروع الإماراتي. ففيها تحولت فكرة الاتحاد إلى واقع سياسي ومجتمعي، وترسخت دعائم الدولة الحديثة، وتأسست المؤسسات الاتحادية، ووُضعت الأطر التي ضمنت الاستقرار والوحدة والعمل المشترك.
- مرحلة التمكين- توسيع دائرة الإنجاز:
ومع رسوخ أركان الدولة، دخلت الإمارات مرحلة التمكين التي شهدت توسعاً نوعياً في القدرات الوطنية والمؤسسات الحكومية والاقتصاد الوطني. ففي هذه المرحلة انتقلت الدولة من بناء الأساس إلى تعظيم الأثر، ومن توفير الخدمات إلى تطوير الكفاءة والتنافسية والابتكار. وقد تجسد التمكين في الاستثمار في الموارد البشرية، وفي بناء مؤسسات حديثة قادرة على مواكبة المتغيرات العالمية، وفي تنويع الاقتصاد ورفع مستويات الأداء الحكومي وتحقيق أفضل الممارسات العالمية. وأصبح الإنسان الإماراتي شريكاً رئيساً في قيادة التنمية وصناعة القرار ورسم ملامح المستقبل.
ولذلك، يمكن النظر إلى مرحلة التمكين باعتبارها المرحلة التي حولت الإنجازات الوطنية إلى قدرات مستدامة، وجعلت الإمارات نموذجاً تنموياً يجمع بين الاستقرار والكفاءة والانفتاح على العالم.
- مرحلة الاستدامة- رؤية للمستقبل:
أما المرحلة الثالثة، وهي مرحلة الاستدامة، فتمثل الامتداد الطبيعي لمسار بدأ مع التأسيس وتعزز بالتمكين. فالتحدي في عالم اليوم لم يعُد تحقيق النمو فقط، بل ضمان استمراريته وقدرته على خدمة الأجيال القادمة.
ومن هنا تبنت دولة الإمارات رؤية شاملة للاستدامة تربط بين التنمية الاقتصادية والحفاظ على البيئة وتعزيز جودة الحياة والتقدم العلمي والابتكار.
وفي جوهر هذه الرؤية يظل الإنسان هو محور التنمية وغايتها، وهو المبدأ ذاته الذي أرساه المؤسس منذ البدايات الأولى لبناء الدولة.
إن أهمية «يوم زايد المؤسس» تتجاوز حدود الاحتفاء بذكرى وطنية، فهو مناسبة للتأمل في المسار الذي سلكته الإمارات منذ قيام الاتحاد، واستحضار القيم التي صنعت هذا النجاح الاستثنائي. فالانتقال من التأسيس إلى التمكين، ثم إلى الاستدامة، لم يكن انتقالاً بين مراحل منفصلة، بل كان تطوراً طبيعياً لرؤية واحدة بدأت مع المؤسس، وما زالت تقود الوطن نحو آفاق جديدة من التقدم.
وفي هذا السياق، تزامن الإعلان عن «يوم زايد المؤسس» مع انشغالي بتأليف كتاب يتتبع مسيرة دولة الإمارات عبر ثلاث محطات مفصلية: التأسيس، والتمكين، والاستدامة. وقد وجدت في هذه المناسبة الوطنية تأكيداً لمعنى ظل حاضراً في ذهني طوال فترة البحث والكتابة، وهو أن قصة الإمارات لا يمكن قراءتها من خلال الإنجازات الراهنة وحدها، بل من خلال التسلسل الحضاري الذي بدأ برؤية المؤسس، ثم تطور إلى مشروع للتمكين الوطني، قبل أن يتجسد اليوم في رؤية شاملة للاستدامة وصناعة المستقبل. ولذلك بدا «يوم زايد المؤسس» وكأنه يختصر الفكرة المحورية للكتاب بأكملها، فكل ما تحقق لاحقاً يجد جذوره الأولى في تلك اللحظة المؤسسة التي تحولت فيها الرؤية إلى وطن.
وفي هذا اليوم، لا نستذكر إنجازات الماضي فقط، بل نستمد منها زاد المستقبل. فالإرث الذي تركه المؤسس ليس مجرّد صفحات مضيئة في التاريخ، وإنما منظومة قيم قائمة على الوحدة، والإنسان، والعطاء، والمسؤولية تجاه الأجيال القادمة.
وفي هذا المعنى، فإن «يوم زايد المؤسس» ليس وقفة مع الماضي، بقدر ما هو دعوة للتأمل في المستقبل، واستحضار الرؤية التي جعلت من بناء الإنسان أساساً لبناء الوطن، ومن الاستدامة مسؤولية، أخلاقية وحضارية، تجاه الأجيال القادمة.
