تتسع رقعة الاحتجاجات الاجتماعية في أوروبا، مع تصاعد الغضب من ارتفاع تكاليف المعيشة وأزمة السكن وتراجع الخدمات العامة، في موجة لم تعد محصورة في دولة بعينها أو فئة اجتماعية محددة، بل امتدت من فرنسا وإيطاليا وإسبانيا إلى البرتغال وألمانيا وألبانيا، لتضع الحكومات الأوروبية أمام اختبار متزايد بين احتواء المطالب الشعبية ومنع انزلاق الشوارع إلى الفوضى.
وتأتي التحركات الجديدة السبت، في وقت تستعد فيه فرنسا لموجة ثالثة من الاحتجاجات خلال ثلاثة أسابيع، بينما تشهد ألمانيا تعبئة شبابية واسعة، وسط تحذيرات أمنية من احتمال استغلال التجمعات للاشتباك مع الشرطة أو تنفيذ أعمال تخريب، خصوصاً مع تزامن التحركات مع احتفالات الهالوين.
ولا تبدو هذه الاحتجاجات مجرد موجة عابرة من السخط، إذ تتقاطع فيها مطالب الأجور والسكن والتعليم والرعاية الصحية مع شعور متنامٍ لدى قطاعات من الأوروبيين بأن الأعباء الاقتصادية تتزايد بوتيرة تفوق قدرة الحكومات على تقديم الحلول.
فرنسا .. ثالث سبت احتجاجي
تتصدر فرنسا واجهة المشهد، مع دخول الاحتجاجات أسبوعها الثالث على التوالي، بعدما تحولت تحركات بدأت باعتراضات طلابية على أوضاع التعليم إلى حركة أوسع تطالب بتحسين الأجور وخفض تكاليف المعيشة وحماية الخدمات العامة.
وتعتزم السلطات نشر نحو 70 ألف شرطي وعنصر درك في مختلف أنحاء البلاد، في واحدة من أكبر عمليات الانتشار الأمني خلال الفترة الأخيرة، بعدما وصف وزير الداخلية لوران نونيز يوم السبت بأنه مرتفع الخطورة على صعيد حفظ النظام العام، خصوصاً مع تزامن الاحتجاجات مع احتفالات الهالوين التي تمتد مظاهرها عادة إلى ساعات الليل.
هالوين الرعب
ولا تكمن المخاوف في الاحتفالات نفسها، بل في احتمال استغلال أجوائها للتغطية على تحركات غير مرخصة أو أعمال عنف وتخريب، فقد رصدت السلطات دعوات متداولة عبر منصات التواصل الاجتماعي لتنظيم تجمعات مسائية، بعضها يدعو صراحة إلى التصعيد وإثارة الاضطرابات، فيما حذر نونيز من محاولات استغلال مناسبة الهالوين لإخفاء الهوية أو تحويل التجمعات الاحتفالية إلى غطاء لأعمال الشغب.
وتكتسب الأقنعة في هذا السياق حساسية خاصة، إذ تخشى الأجهزة الأمنية أن يستفيد مثيرو الاضطرابات من ازدحام الشوارع وانتشار الأزياء التنكرية وصعوبة التمييز بين المحتفلين والمشاركين في أعمال التخريب.
وفي المقابل، شددت السلطات على أن ارتداء الأقنعة في إطار الاحتفالات السلمية ليس موضع اعتراض، لكن استخدام إخفاء الوجه بغرض ارتكاب أعمال عنف أو داخل تجمعات يُخشى أن تشهد اضطرابات قد يعرّض صاحبه للمساءلة القانونية.
ولم تقتصر الاستعدادات على زيادة أعداد القوات، بل شملت تعزيز الرقابة على الطرق ومحطات القطارات وشبكات النقل، وتكثيف عمليات التفتيش، إلى جانب نشر الطائرات المسيّرة والمروحيات والوحدات المتخصصة والمركبات المدرعة ووسائل تفريق الحشود، كما صدرت قرارات محلية بمنع تجمعات مسائية اعتُبرت خطرة، مع تحذير من أن أي تحرك غير مرخص قد يواجه بالتفريق والتوقيف.
وعلى الجانب الآخر من المشهد، بدأت متاجر ومؤسسات تجارية في تحصين واجهاتها بالألواح الخشبية، تحسباً لتكرار مشاهد النهب والتخريب التي طالت متاجر وممتلكات عامة خلال احتجاجات سابقة. وتخشى قطاعات الأعمال أن تتحول ليلة يفترض أن تكون مناسبة ترفيهية للعائلات والأطفال إلى فرصة جديدة لاستهداف المحال والممتلكات.
وتكشف حصيلة الاحتجاجات السابقة حجم التحدي الأمني، إذ تحدثت السلطات عن مشاركة نحو 550 ألف شخص في تحركات 17 أكتوبر، التي شهدت أعمال نهب طالت مئات المتاجر، فيما شارك نحو 410 آلاف في احتجاجات السبت الماضي، التي اتسمت بهدوء أكبر، رغم توقيف أكثر من 1300 شخص.
ولم تنجح الإجراءات الحكومية المعلنة لمعالجة بعض المطالب الطلابية في إنهاء التعبئة، إذ يرى المنظمون أنها لا تزال دون مستوى التحديات، بينما دعت النقابات والطلاب إلى مواصلة التحركات، مع التلويح بإضراب وطني جديد في الخامس من نوفمبر.
ألمانيا.. جيل زد يخرج إلى الشوارع
وفي ألمانيا، تنتقل موجة الاحتجاجات إلى المدن الكبرى بقيادة مبادرات شبابية، أبرزها حركة «جيل زد يتولى الأمر»، التي دعت إلى مظاهرات في أكثر من 30 مدينة، للمطالبة بزيادة الإنفاق على التعليم والصحة والإسكان وحماية المناخ، ورفض العودة إلى التجنيد العسكري الإجباري.
وأعلن المنظمون تسجيل أكثر من 160 ألف شخص عبر الإنترنت للمشاركة، فيما يُنتظر أن تشهد برلين تجمعاً رئيسياً عند بوابة براندنبورغ، إلى جانب تحركات في كولونيا وميونيخ وفرانكفورت وهامبورغ.
ورغم تأكيد المنظمين سلمية التحركات ورفضهم العنف، رفعت الشرطة استعداداتها الأمنية، واستعانت برلين بنحو 1500 عنصر إضافي، مع اتخاذ بعض المتاجر إجراءات لحماية واجهاتها من التخريب المحتمل.
وتعكس المطالب الشبابية اتساع الفجوة بين تطلعات الأجيال الجديدة والسياسات الحكومية، خصوصاً في ملفات التعليم والسكن والإنفاق الاجتماعي، إلى جانب المخاوف من إعادة فرض الخدمة العسكرية.
إيطاليا وإسبانيا.. احتجاجات تتجاوز المطالب الاقتصادية
وفي إيطاليا، تتواصل تداعيات الاحتجاجات التي شهدتها مدن ميلانو وتورينو وبولونيا، حيث دخلت مطالب العمال والطلاب في مواجهة مع أزمات الأجور والخدمات العامة، وسط استعدادات أمنية تحسباً لتجدد الاشتباكات، بعدما شهدت بعض التحركات السابقة أعمال عنف وتخريب.
ولا تقتصر الأزمة على الاحتجاجات الآنية، إذ دعت النقابات الإيطالية إلى إضراب عام في 20 نوفمبر، في مؤشر على استمرار الضغوط الاجتماعية خلال الأسابيع المقبلة.
أما في إسبانيا، فتواجه السلطات تحديات أمنية متزايدة، خصوصاً في برشلونة، حيث شهدت تحركات سابقة أعمال شغب أسفرت عن توقيف نحو 130 شخصاً، معظمهم من القاصرين، فيما رفعت الشرطة مستوى التأهب عقب دعوات جديدة للتجمع عبر منصات التواصل الاجتماعي.
وتتجاوز المطالب الإسبانية حدود الأجور، لتشمل أزمة السكن وارتفاع الإيجارات وظروف العمل والخدمات التعليمية، بالتزامن مع تحركات نقابية أوسع يجري الإعداد لها خلال نوفمبر.
البرتغال وبلجيكا.. جبهة اجتماعية تتسع
وفي البرتغال، تصدرت أزمة السكن وارتفاع الإيجارات والقدرة الشرائية مطالب المحتجين، بعدما خرج عشرات الآلاف في لشبونة ومدن أخرى للمطالبة بزيادة الأجور والمعاشات، فيما لجأ بعض المتظاهرين إلى إقامة مخيمات احتجاجية في الساحات العامة.
كما امتدت الدعوات إلى تحركات مماثلة في بلجيكا وهولندا والنمسا وسويسرا، وسط تنسيق عبر منصات التواصل الاجتماعي، في مشهد يعكس انتقال الغضب من احتجاجات محلية متفرقة إلى حالة أوسع من التعبئة الاجتماعية العابرة للحدود.
وتتجه الأنظار إلى 11 نوفمبر، مع الدعوة إلى تحركات نقابية في إسبانيا والبرتغال، وإلى 20 نوفمبر في إيطاليا، بما ينذر باستمرار موجة الاحتجاجات الأوروبية خلال الشهر المقبل.
أزمة معيشة تتحول إلى اختبار للحكومات
وتضع هذه التحركات الحكومات الأوروبية أمام معادلة معقدة، فالغضب لم يعد مرتبطاً بزيادة الأسعار وحدها، بل بات يتصل بتراجع القدرة على تحمل تكاليف السكن، والقلق على مستقبل التعليم والصحة، والشعور بتآكل فرص الأجيال الشابة.
وبينما تتمسك الحركات المنظمة بحقها في التظاهر السلمي، تثير أعمال النهب والتخريب مخاوف من أن تتحول المطالب الاجتماعية إلى مواجهات مفتوحة تستنزف الأمن والاقتصاد، وتلقي بظلالها على الاستقرار السياسي.
ومع اتساع رقعة الاحتجاجات وتعدد مواعيد الإضرابات المرتقبة، تبدو أوروبا أمام اختبار يتجاوز احتواء اضطرابات الشوارع، إلى البحث عن إجابات لأزمة معيشية تتسع آثارها، وتزداد كلفتها السياسية والاجتماعية.