في الإمارات لم يعد التوطين مجرد مستهدفات تسعى منشآت القطاع الخاص إلى تحقيقها نهاية كل عام، بل بات مساراً وطنياً يرتبط ببناء اقتصاد أكثر استدامة وديمومة، الأمر الذي يدعم مشاركة الكفاءات في التنمية الشاملة التي تشهدها الدولة، وترسيخ شراكة حقيقية بين الحكومة والقطاع الخاص، قوامها الاستثمار في الإنسان وإتاحة الفرص أمامه ليكون شريكاً فاعلاً في صناعة النمو والإنجاز.
ومن هذا المنطلق، جاءت دعوة وزارة الموارد البشرية والتوطين لمنشآت القطاع الخاص التي يعمل لديها 50 عاملاً فأكثر إلى الإسراع باستكمال مستهدفات التوطين لعام 2026 قبل الموعد النهائي المحدد في 31 ديسمبر، وهي مرحلة تتطلب الانتقال من التعامل مع التوطين باعتباره التزاماً تنظيمياً ليصبح ثقافة مؤسسية راسخة، تنظر إلى المواطن باعتباره طاقة إنتاجية وقيمة مضافة لمكان العمل.
ووفق المستهدفات المقررة من قبل الوزارة و«نافس»، يتعين على هذه المنشآت تحقيق نمو إضافي بنسبة 1% في الوظائف المهارية خلال النصف الثاني من العام، استكمالاً لما تحقق في النصف الأول، وصولاً إلى نمو إجمالي يبلغ 2% خلال العام الحالي، وهي مستهدفات تعكس توجهاً تدريجياً لتوسيع قاعدة مشاركة المواطنين في الوظائف النوعية، وتعزيز حضورهم في مختلف الأنشطة الاقتصادية.
جوهر التوطين لا يكمن في استكمال النسبة المطلوبة وحدها، بل في مدى قدرتها على استقطاب الكفاءات الوطنية وتأهيلها ومنحها فرص التطور والاستقرار الوظيفي. فالتوظيف الحقيقي هو الذي يضع المواطن في موقع الإنتاج والمسؤولية، بعيداً عن التوطين الصوري الذي تلجأ إليه بعض المؤسسات غير المسؤولة.
ولا يمكن إغفال الدور المحوري للقطاع الخاص في هذه المعادلة، فهو شريك في التنمية، ويمثل اتساع أنشطته وتنوع وظائفه مجالاً مهماً لاستيعاب الطاقات؛ لذا أشادت الوزارة بالمنشآت التي حققت مستهدفات النصف الأول من العام، بما يعزز الثقة بقدرة بقية المنشآت على استكمال التزاماتها ضمن المهلة المحددة.
الرهان الحقيقي في المرحلة المقبلة أن يصبح المواطن جزءاً أصيلاً من خطط النمو والتوسع في مؤسسات القطاع الخاص، لا مجرد رقم يضاف إلى قوائم التوظيف. وهذا يتطلب من المنشآت أن تنظر إلى استقطاب الكفاءات بوصفه استثماراً في مستقبلها.