«متعدل وكاشخ، ما شاء الله عليك... والله إنك ما خليت للأغنياء شي!».
بهذه الكلمات مازحت جدة صديقي حفيدها وهو يتأنق ويتعطر استعداداً للخروج. كانت معجبة به، وربما رأت في مظهره شيئاً مما اعتادت أن تراه في حياة الميسورين. تذكرت عبارتها وأنا أفكر في مقدار ما تغير من حياتنا، وكيف أصبحت أشياء كانت بعيدة عن متناول كثير من الأسر جزءاً مألوفاً من حياتها اليوم.
في «الفريج» القديم، كانت البيوت متقاربة، وكان الجيران يعرفون كثيراً من تفاصيل حياة بعضهم. نشأ الأصدقاء في ظروف متشابهة، ودرسوا في المدارس نفسها، ثم مضى كل منهم في طريق. وبعد سنوات، قد يقارن أحدهم ما حققه بما وصل إليه صديق طفولته؛ فالمقارنة مع من شاركنا البدايات أشد وقعاً أحياناً من المقارنة مع ثري لا نعرفه. وقد لا يكتفي بعضنا بما حققه، بل يريد أن يراه الآخرون أيضاً.
في أوساط الطبقة الوسطى، قد تتشابه مظاهر الحياة، بينما تختلف قدرة الأسر على تحمّل كلفتها. سيارات حديثة، وبيوت جميلة، وسفر، وتعليم جيد للأبناء، لكن المظهر لا يخبرنا بكل شيء؛ فقد يشتري شخص سيارة من فائض دخله، بينما يشتري آخر السيارة نفسها بتمويل يثقل التزاماته لسنوات.
قبل مدة، حدثني صديق يتمتع بوضع مادي جيد عن رغبته في شراء سيارة كهربائية بسعر مناسب يستطيع تحمله دون قرض. شجعته على اختياره، لكنه فضّل لاحقاً سيارة أغلى، واضطر إلى تمويلها رغم ما أضافته إلى التزاماته. سألته عن سبب عدوله عن رأيه، فأجابني ببساطة: «وماذا سيقول الناس عني؟».
استوقفتني إجابته. تنازل عن جزء من راحته المالية خشية أن يراه الناس بمستوى أقل مما يتوقعونه منه. وربما لا يعرف هؤلاء شيئاً عن دخله أو التزاماته، وربما لا تشغلهم سيارته ولا تفاصيل حياته أصلاً.
ولم أكن بعيداً عن هذا الشعور؛ فقد وافقت مرة على السفر مع أصدقاء، مع أنني كنت أفضّل وجهة أخرى. تخيلت أحدهم يقول: «الناس كلهم يسافرون غرب أوروبا، لندن وباريس، وأنت تبغى تسافر شرق». سافرت معهم رغم كلفة الرحلة، ثم ندمت. لم أسمع هذه الكلمات من أحد، لكنني تصرفت كأنني سمعتها. وأتساءل الآن: هل كان سيعنيهم أصلاً لو اخترت الوجهة التي أريدها؟
أفكر أحياناً في أن قلق بعض أبناء الطبقة الوسطى لا يأتي من قلة ما يملكون، بل من الخوف من أن يراهم الآخرون أقل نجاحاً مما يظنون؛ فقد يتحسن وضع الإنسان المادي، لكنه يشعر بأنه مطالب بالمحافظة على الصورة التي عرفه الناس بها. وكل اختيار جديد قد يصبح التزاماً شهرياً. وربما يجد نفسه يدفع من راحته واستقراره ثمناً لصورة لا يعرف إن كان الآخرون يهتمون بها.
كانت الجدة معجبة بما تراه، أما صديقي فكان قلقاً مما قد يراه الناس. وربما لا تنتهي المقارنات، فكلما وصلنا إلى مستوى، وجدنا من يملك أكثر منا، ومن يملك أقل. هل نحتاج إلى امتلاك ما لدى غيرنا حتى نرضى عما لدينا؟
