هل فكرت يوماً في حجم الفرص التي خسرتها كرامتك؟ تلك التي ظننت أنك تحميها بصمتك، بينما كنت تغلق بها أبواباً كان يمكن أن تُفتح لك.
عندي صديق، رجل نحترمه، يخاف من الطلب كخوفه من الهزيمة. حين يضيق به الحال يغلق على نفسه ويقنع نفسه بأن كرامته محفوظة في صمته. من يعرفه يرى حاجته بوضوح، يغرق في حاجة لم يجرؤ على نطقها. وهناك من رُفض طلبه يوماً فجُرح، فأقسم ألا يطلب ثانية حتى لا يتألم. الصورة التي نحميها بصمتنا لا يراها أحد، والحاجة التي نخفيها يراها كل من يعرفنا حقاً.
في ثقافتنا يكبر الفرد على فكرة أن من لا يحتاج إلى أحد هو الإنسان الكامل، وأن حاجتك للآخرين خدش في صورة القوة. نحن لا نرفض الطلب لأننا لسنا بحاجة، بل لأننا نخاف أن يُنظر إلينا كمحتاجين. نستخدم الكبرياء كحصن دفاعي، ونظن أن طلب الدعم سيكشف ضعفنا. نحن لا نحمي كرامتنا، نحمي صورتنا المزيفة.
نعيش أحياناً في وهم الشفافية، فنظن أن حاجتنا واضحة وأن الآخرين لابد أن ينتبهوا لها. لكن لا أحد يرى ما لا يُقال. المسؤول لا يرى إلا المطالب الواضحة، والفرص لا تأتي إلى أحد، بل يبحث عنها أصحابها. وكثير من الناس لا يخسرون فرصهم لأنهم غير مؤهلين، بل لأنهم ينتظرون أن يلاحظهم أحد.
وحين لا يتحقق ما ننتظره، يتحول الصمت إلى قلق وشعور مزمن بالظلم. لم نعد نعاني من الحاجة نفسها، بل من إنكارها.
ثمة فرق بين الطلب والاستجداء والانتهازية. الطلب حق تطالب به بناءً على قيمة أضفتها أو جهد بذلته. أما الاستجداء فطلب ما لا تستحق، والانتهازية اقتناص ما لا تستحقه. نحن لا ندعو إلى الاتكالية، بل إلى الجرأة على المطالبة بما تستحق.
لكن المشكلة أعمق من ذلك. صار الطلب في أذهاننا مرادفاً لفقدان الحياء، فالمحتاج الحقيقي يفضل المعاناة في صمت على أن يُنظر إليه بعين الطامع. وهكذا نترك الساحة لمن لا يترددون. وبينما نراهم غير مستحقين، يراهم أصحاب الفرص مبادرين.
الطامع لا يفكر فيك أصلاً، هو مشغول بما يريد. أما أنت فتفكر فيه وتخسر فرصتك، ثم تجد لنفسك عذراً لأن الاعتراف بأن الكبرياء هو السبب أشد إيلاماً.
المشكلة أن كثيراً من الناس يظنون أن العالم عادل بما يكفي ليلاحظهم. لكن العالم لا يعمل بهذه الطريقة. العالم لا يكافئ الأفضل دائماً، يكافئ من ظهر وطلب، وهذه حقيقة قد تبدو قاسية، لكنها تفسر لماذا تضيع فرص كثيرة من أشخاص جيدين لم يطلبوا شيئاً، بينما يحصل عليها آخرون لأنهم تجرؤوا على السؤال.
قالوا قديماً: حبة الجوز لا تعطيك لبّها إلا إذا كسرتها، وحاجتك لا تُعرف إلا إذا قلتها.
الكرامة الحقيقية أن تعرف متى تتكلم.
بعض الناس لا تهزمهم الحياة، يهزمهم صمتهم.
هل نحن نستحق النجاح قبل أن نصنعه؟
نحن نسأل الحياة: لماذا لم أحصل على ما أريد؟
والحياة تسألنا في المقابل: وماذا فعلتَ؟
وبين السؤالين مسافة اسمها وهم الاستحقاق.
في النهاية نحن أمام خيارين: استحقاق تتعب من أجله، وآخر تحلم به فقط. الأول يسأل: ماذا قدّمت؟ والثاني يسأل: لماذا لم أحصل بعد؟
هذا الوهم له ثلاثة أوجه. الأول أننا نظن أن الوجود وحده كافٍ، وأننا نستحق، لأننا هنا، لكن الحياة لا تكافئ الوجود، تكافئ الفعل. والثاني أن سقف توقعاتنا أكبر منا، مستوى فرضه الوهم ولم نبنه نحن، فنطالب به كحق لا كهدف. والثالث الموروث الاجتماعي من حسب ونسب، الذي يفتح الأبواب أحياناً، لكنه يوقفنا عند العتبة، ونحسب أننا دخلنا. حين يطالب الإنسان بمكافأة لم يدفع ثمنها، صار التوقع وهماً لا هدفاً.
الاستحقاق الحقيقي يُبنى بالحضور والعمل، أما الوهم فهو ذلك الشعور الزائف بالأمان الذي نؤجل فيه مواجهة أنفسنا.
منصات التواصل تساهم في هذا الوهم بعمق، فبتنا نقارن ضعفنا الداخلي بالمظاهر الخارجية للآخرين التي يتقنون تزييفها. نحن من حفر الفخ ووقع فيه، نرى ما يعرضونه على الشاشات ونقيسه على حياتنا، فنشعر بالظلم لأننا نرى نتيجة الآخرين، وننسى أن ما نراه واجهة اختاروها بعناية.
واكبنا الحداثة والتطور، لكن المواكبة شيء والفهم شيء آخر. نحن كمن يجلس في قطارٍ فائق السرعة يرى الحياة شريطاً متسارعاً خلف الزجاج، بينما من في الخارج يمارسون حياتهم بوتيرتهم الخاصة. القطار يتحرك، نعم، لكننا نسينا أن النضج لا يأتي من سرعة الرحلة، بل من خوضها. مشكلتنا أننا ننتظر استحقاقاً واقعياً لنتائج لم نتكبد عناء بنائها، نعتقد أن سرعة العالم من حولنا تعفينا من مشقة الطريق.
الحياة لا تدين لنا بشيء، وما نملكه حقاً هو ما صنعناه بأيدينا ودفعنا ثمنه مسبقاً، أما ما انتظرناه فلم يكن لنا يوماً. العالم يتغير بسرعة مذهلة، والسرعة ليست تذكرة عبور، فالتغيير من حولك لا يعفيك من تعب الرحلة.
الحياة لم تعِد أحداً بشيء، لكنها لم تمنع أحداً من بناء استحقاقه. الفرق الوحيد بين من وصل ومن انتظر أن تأتيه الأشياء سؤالٌ واحد: ماذا فعلت؟
الاستحقاق الحقيقي ليس عطاءً بلا مقابل، هو جهد تعرفه أنت قبل أن يعرفه الجميع.
أحياناً الحقيقة مؤلمة.
حين قال لي أحدهم ذات يوم: «في النهاية أنت من ستدفع فاتورتك، وعليك أن تخفض سقف توقعاتك من الآخرين». أحسست بثقل الجملة وخفتها في آنٍ واحد. وهكذا هي العبارات التي تترك أثراً لا يُمحى، تؤلمك وتمنحك في اللحظة ذاتها.
كثيرون منا يحملون هذا الثقل دون أن يعرفوا. سمعتها فاستفقت. أحياناً الوعي مؤلم.
في العلاقات، نحن نفترض ولا نتفاوض. نبني بيوتنا العاطفية على وعود غير معلنة واتفاقيات ننسجها في خيالاتنا، وجمل نرددها في أذهاننا بصمت: «هو سيكون هناك لأجلي، وأنا سأكون هناك لأجله».
هذا الوهم هو حديقة الخيبات. الآخر في الحقيقة لم يَعِد بشيء، لكننا حاكمناه بقسوة على وعد لم يقطعه. وحين تأتي لحظة الحاجة ونجد أنفسنا وحيدين، نسمي الأمر خيانة، والحقيقة أنها وهم يعكس حجم افتراضنا الخاطئ، لا حجم ما أخطأ به الآخر. والأغرب أن من اعتاد الأخذ يرى حاجته حقاً مكتسباً وحاجة غيره عبئاً، فإذا طُلب منه العطاء تحوّل فجأة إلى ضحية، والعجز عن العطاء أشد إيلاماً من الاعتراف به.
يعيش جيلنا اليوم ضريبة تحول ثقافي عميق. بنى مجتمعنا الخليجي هويته تاريخياً على الانتماء للجماعة وللعائلة وللحي وللمجموعة. طلب المساعدة كان لغة القرب لا علامة الضعف، والعطاء والأخذ كانا في صميم تقاليدها، لكن مع انتشار نمط الحياة الفردي، حيث الفرد وحده مسؤول عن نفسه، اضطربت المفاهيم فأصبحنا جيلاً يحمل قيماً جماعية في واقع فردي، دون لغة متزنة للتوفيق بينهما. وما نسميه «خيانة الناس» ما هو إلا تحول اجتماعي ضخم لم نستوعبه بعد.
الاعتماد على النفس عودة إلى الناس وأنت مكتمل، لا تبحث فيهم عن نسخة ناقصة منك. أجمل العلاقات تلك التي تقوم على الرفقة الحرة والاختيار الصادق، لا على ملء فراغ داخلي لا يملأه أحد.
حين تدفع فاتورتك أنت، قد يؤلمك الأمر في البداية، لكن الوجع الصادق أرحم من ديون عاطفية تتراكم في الصمت وتُثقل العلاقات دون أن يعترف بها أحد. وحين تسددها بالكامل، ستكتشف من حولك بوضوح لم تعرفه من قبل، تعرف ما تملك حقاً، ومن بقي معك حباً لا حاجة.
وتلك المعرفة أحد أعمق أشكال الحرية.
«النرجسية لا تعني حب الذات، بل تعني الذات التي لا ترى إلا نفسها». كريستوفر لاش، «ثقافة النرجسية»، 1979
***
كنت أراجع كتاب «ثقافة النرجسية» للمفكر الأمريكي كريستوفر لاش، وتوقفت طويلاً عند تاريخ صدوره: 1979. في العام نفسه، كان الشرق الأوسط يعيش ثورة تعيد صياغة وجه إيران والمنطقة.
بدا الأمر لي أولاً مصادفة عابرة، لكن خلف هذا التقاطع خطيئة تاريخية، فبينما كان الغرب ينشغل بنرجسية أفراده وأزمات مجتمعه داخل بيوته، تعامل بعمى سياسي مع صعود الثورة في طهران. لم يدركوا حينها أنهم لا يتعاملون مع مجرد تغيير نظام سياسي، بل مع وضع حجر الأساس لـ«نرجسية أيديولوجية» عابرة للحدود ستعبث باستقرارنا لعقود. حين أغلقتُ الكتاب، طاردني سؤال بسيط: هل يمكن للعقائد أن تتحول إلى مرض نفسي جماعي؟
الخلاصة التي يطرحها لاش، أن النرجسية ليست غروراً، بل هي آلية دفاعية يستبدل فيها المريض بالواقع الصورة، وبالإنجاز الرواية. وعندما تصبح الصورة أهم من الحقيقة، يبدأ الانهيار من الداخل. هذا بالضبط ما حدث. وطوال أربعة عقود ونصف العقد، ظل خطاب نظام 1979 عالقاً في مكانه، يدور في حلقة مفرغة بين المظلومية وتصدير الثورة والبحث المستمر عن عدو خارجي. وربما هنا بدأت المشكلة كلها، فقد برع النظام في بناء رواية صاخبة، لكنه نسي كيف يبني دولة حقيقية لشعبه.
وهكذا، كبرت أجيال كاملة في منطقتنا على أصوات الشعارات، دون أن تلتفت إلى أن لغة هذا الخطاب نفسه ظلت متجمدة في زمن الثورة، ولم تتعلم كيف تتحدث مع المستقبل.
في المقابل، كانت دول الخليج العربي تعيش واقعاً آخر. التفتنا إلى الأرض، اخترنا السلام والبناء، وركزنا على الإنجاز أكثر من انشغالنا بالشعارات الحماسية، لكنها كانت صحوة مكلفة. وجدنا أنفسنا ندفع كلفة معارك لم نطلبها، كأن الطرف الذي اختار الحياة والبناء كان هو المستهدف تحديداً من قِبل نظام يعتاش على الأزمات.
النظام النرجسي بطبعه لا يرى الآخر كما هو، بل كما يحتاج إليه في روايته الخاصة. هو لا يريد جاراً مستقراً، بل يحتاج إلى «خصم» يبرر به وجوده أمام شعبه. ومع الوقت، تحول هذا السلوك إلى حالة إنكار كبرى، تشبه ممثلاً يرفض مغادرة المسرح رغم أن الأضواء انطفأت والجمهور غادر الصالة منذ زمن. إنه يصر على تكرار دوره القديم أمام مقاعد فارغة.
يقول لاش: «حين تطغى صور القوة على الواقع، يجد من لا يملكون القوة أنفسهم يحاربون أشباحاً».
وهنا نسأل، ببساطة وبعيداً عن تعقيدات السياسة: كيف تتفاوض مع نظام يفاوض العالم على صيانة صورته، لا على بناء مستقبله؟
الهوية لا ترحل فجأة، بل تغادر حين نجد من يؤدي دورها بدلاً منا.
***
وقعت في يدي صورة باهتة لبيتنا القديم. الألوان ذابت، والوجوه صارت ظلالاً، ومع ذلك كنت أشم فيها رائحة الطين وحرارة ذلك الصيف البعيد. فتحت تطبيقاً وأعطيته الصورة ليصلحها. في ثوانٍ، اختفت الخدوش واتضحت الوجوه. كانت النتيجة مذهلة لكن قلبي لم يطمئن، ما رأيته لم يكن بيتنا، بل كان بيتاً مرتباً بلا تاريخ وبلا رائحة. أدركت حينها أن الخوارزمية لم تخذل الهوية لأنها فشلت، بل لأنها نجحت أكثر من اللازم.
الذكاء الاصطناعي لم يسقط من السماء، نحن من أطعمناه كل ما نملك. يعرف الكلمات والأفكار، ويجهل الصمت والحكمة التي نستمدها من الخطأ والندم. هو مرآة تعكس ما نقوله. وحين نطلب منه كتابة هويتنا، يُعطينا تلك الصورة النظيفة الخالية من الروح.
الخطر الحقيقي ليس في أن تفكر الآلة كبشر، بل في أن نبدأ نحن بالتفكير كخوارزميات. في سباق الكفاءة، صار الصبر عبئاً والتأمل والتفكر ضياعاً للوقت. استبدلنا المجالس باجتماعات، والصديق بمتابعين. كان الصمت عند آبائنا فضيلة واليوم صار خللاً تقنياً. والهوية الخليجية بُنيت على نقيض هذا تماماً، بُنيت على البطء الذي تحتاج اليه القهوة لتنضج، والقصيدة لتكتمل.
الهوية لا تُورث كألبوم صور ينتقل من جيل لجيل بل تُنتزع بالاحتكاك والعلاقات. والذكاء الاصطناعي مزيل للاحتكاك، يجعل كل شيء سهلاً، والسهولة هي عدو الذاكرة. إذا أزالت التقنية كل العثرات من طريقنا، سنصل سريعاً، لكننا سنصل بلا ملامح، لنذوب في هوية رقمية موحدة هي أخطر أنواع الهيمنة، لأنها تحتل الخيال قبل الأرض. الخوارزمية لا تشم رائحة الهيل في القهوة، ترى فناجيننا كأي فنجان في العالم. غرفة انتظار واسعة ومريحة ومعقمة لكنها بلا نوافذ تطل على تاريخنا.
ومع الوقت، لا تختفي هويتنا تماماً، بل تتحول إلى شيء نعود إليه أحياناً بدافع الحنين، كما يعود البعض إلى سيارة قديمة يكتفي بالنظر إليها. ربما سنتعامل مع التقنية كما تعاملنا مع النفط، قوة هائلة تغيّر حياتنا دون أن تغيّر معناها، فالخوارزمية ستصبح أذكى كل يوم، لكنها لن تفهم أبداً لماذا يحتفظ إنسان بصورة ممزقة فقط لأنها تؤلمه.
في النهاية، أعود لتلك الصورة. استعدتُ وضوحها وفقدتُ حقيقتها. والسؤال: هل الهوية إرث ساكن، أم شيء نصنعه ونعاني منه يومياً؟ وإذا توقفنا عن صنعه لأن الآلة تنوب عنا، فهل يبقى منا شيء؟
لا إجابة هنا، فقط دعوة للحفاظ على الاهتزاز في أرواحنا. سأبقى أبحث عن بيتنا في الصورة الممزقة، وأترك النسخة المثالية، لأن الإنسان الحقيقي دائماً ناقص قليلاً وهذا النقص بالضبط هو ما لا تعرفه الخوارزمية.
الوفرة تبني المدن، لكن هل تبني الإنسان؟
***
كان أجدادنا رجالاً بسطاء، يعرفون البحر وأمواجه أكثر من الكتب. سمعت منهم جملة لم أفهم ثقلها إلا اليوم: «كان البحر يعطينا بقدر ما نتعب، وأخاف اليوم أن ننسى كيف نتعب».
لم يكونوا يتحدثون عن البحر وحده، بل عن شيء أعمق. التعب الذي يصنع الإنسان قبل أن يصنع رزقه. ذلك التعب الذي علّمنا قيمة الأشياء وكيف نصبر. الوفرة أعطتنا كل شيء، وأخذت منا التعب.
الحكاية ليست بكاءً على ما مضى، بل هي قصة إنسان خليجي تربى على الكفاف والصعاب. في الصحراء، لم يكن الصبر ترفاً، بل كان الطريق الوحيد للبقاء. وفي البحر، رمى أجدادنا حياتهم للمجهول وهم يعرفون أن الرزق يأتي من قلب الخطر. لم نكن نملك أشياء كثيرة، لكن كان لكل شيء معنى، لأننا دفعنا ثمنه مقدماً من صبرنا وعرقنا.
ثم، وفي غمضة عين بمقياس عمر الأمم، تغير كل شيء. انتقلنا من مجتمع «الفريج» إلى المدن العالمية والناطحات التي تسابق الغيم. هذا التحول الخاطف لم يغير شكل شوارعنا فحسب، بل أعاد ترتيبنا وترتيب بيوتنا من الداخل. المدن الحديثة سريعة ومغرية، تقدم لك كل شيء دون أن تتعب. الوفرة بحد ذاتها ليست شراً، لكنها قد تُسكت أصواتاً عاقلة عرفت التحديات وجربت الحاجة. صرنا نملك الحلول الجاهزة لكل شيء، وفقدنا تلك القدرة الفطرية على مواجهة التحديات من لا شيء.
نحن اليوم نعيش جرداً حقيقياً لهويتنا. نعم، ما زلنا نتمسك بالكرم والفخر بالانتماء، لكن الجوهر بدأ يتغير. لهجتنا المحلية تفقد مفرداتها الخاصة وتذوب في لغات العولمة، وقصص الأجداد الإنسانية باتت تبقى في الكتب فقط. الجيل الجديد يملك كل الإمكانيات، لكن هل يملك تلك الروح التي كانت تصنع من الحاجة حكمة؟
القضية ليست دعوة للعودة إلى ما كان، فالزمن لا يعود للخلف والمدن لا تتوقف عن النمو. السؤال هو عن المستقبل: كيف نكون جزءاً من هذا العالم الحديث دون أن نصبح نسخاً باهتة منه؟ كيف نحافظ على هويتنا حية في زمن يذوب فيه كل شيء؟
ربما السؤال الحقيقي الذي تركه لنا أجدادنا ليس عن البحر ولا عن الصحراء، بل عن التعب، ذلك التعب الذي يصنع الإنسان في الخفاء. الجيل الحديث لم يختر أن ينسى كيف يتعب، بل وُلد في زمن تغيّر فيه مفهوم التعب. وهذا ليس ذنبه، لكنه التحدي الرئيسي له. جدّي لم يكن يخشى الوفرة والتطور، كان يخشى أن تُنسينا أننا كنا يوماً قادرين على التأقلم مع كل الصعاب والتحديات. وحين ننسى ذلك، لا نخسر الماضي فحسب، نخسر القدرة على بناء المستقبل.
يبقى السؤال: ما الذي خسرنا؟