الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الشارقة.. ضيف شرف العالم

3 نوفمبر 2026 22:02 مساء | آخر تحديث: 3 نوفمبر 2026 22:09 مساء
دقائق القراءة - 7
شارك
share
icon الخلاصة icon
الشارقة ترسخ حضورها العالمي ضيف شرف بمعارض الكتب بمشروع ثقافي يقوده سلطان القاسمي، ومعرض دولي ومؤتمرات نشر وتبادل ثقافي وترجمة للإسبانية و2027 بوغوتا
أصبحت إمارة الشارقة تسجل حضوراً راسخاً ومتميزاً ضمن شتى المحافل الثقافية العربية والعالمية، وتحديداً في معارض الكتب الدولية؛ إذ حلت ضيف شرف بمناسبات وفعاليات قرائية عديدة، وتفردت باختيارها أول ضيف شرف عربي لدى عدة معارض للكتاب عالمياً، هذا الأمر يجسد المكانة المرموقة التي تبوأتها الشارقة في الحراك الثقافي الإنساني وصناعة النشر بوجه خاص.
لعل سر هذا الحضور الاستثنائي للشارقة في محافل النشر والكتاب الدولية، يكمن في كونها تبنت مشروعاً تنويرياً باهراً استقطب أنظار العالم لثرائه وشموله وتكامله مع شتى الحقول المعرفية والفكرية والإبداعية؛ فمن النادر، عالمياً، أن تغدو مدينة متخصصة بالشأن الثقافي، بيد أن الإمارة أنجزت ذلك برؤيتها واستراتيجيتها التنموية الشاملة العابرة للحدود نحو المجتمع الإنساني، حتى أضحت وجهة منشودة عبر ما تنظمه من مؤتمرات ومهرجانات ومعارض فكرية على مدار العام.

رؤية

يُعدُّ المشروع الثقافي للشارقة حجر الزاوية والركيزة الأساسية التي تبلور منها انفتاحها على العالم، وهو مشروع لم يولد من فراغ أو صدفة، بل جاء نتاج رؤية حكيمة واستشرافية لصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، الذي آمن بأن الكتاب والمعرفة هما الأساس لبناء الإنسان وتقارب البشر ورفعة المجتمعات، فلم يدخر جهداً لتغدو الشارقة منارة ثقافية سامقة.
ولعل أبرز أركان هذا المشروع الثقافي للشارقة يتجلى بمعرضها الدولي للكتاب، والذي غدا يكتسب سمعة عالمية ويتبوأ مركـــزاً متقـــدماً بين أفضـــل معارض الكتب العالمية بمجالات بيــع وشراء حقـــوق النشر والتـــوزيع، بل وصار منصة لصناعة الرأي ومناقشة قضايا الفكر دولياً، إذ لم ينحصر دور المعرض بكونه نافذة لبيع المؤلفات الورقية والإلكترونية، بل تجـــاوز فكـــرة السوق لينطلـــق نحو آفاق أرحب، حيث أضحى تظــاهرة سنوية تجمع ملايين الزوار ونخبة الأدباء، محتفياً في كـــل دورة بمدينـــة عالميـة رائدة ثقافــــياً لتكـــون ضيف شرف، الأمر الذي جعله يمـــد جسور التلاقي المعرفي والإنساني مع الآخر.
وأضحى هذا المحفل المتميز يعنى بصناعة النشر في أبعادها المحلية والعربية والدولية، وذلك عبر تنظيم كبرى الملتقيات العالمية المعنية بهذا الشأن؛ وهو «مؤتمر الناشرين العالمي»، الذي يُعقد سنوياً بالتزامن مع فعاليات معرض الكتاب، ويشكل المنصة المهنية الأبرز لتدارس الأفكار والمستجدات المتعلقة بقطاع النشر، والتحديات الكبرى التي تواجهه كالتكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي والملكية الفكرية والترجمة الرقمية وغيرها، مما صيّر المؤتمر وجهة الناشرين من شتى بقاع العالم.

محرك

هذا التميز والحراك في فضاء النشر يرتكز بدعم «مدينة الشارقة للنشر» (المنطقة الحرة)، والتي تُعد الأولى عالمياً بما توفره من بنية تحتية ولوجستية واستثمارية متكاملة لصناع الكتاب، الأمر الذي رسخ الشارقة عاصمة معرفية حقيقية ومحركاً جوهرياً لقطاع الثقافة، هذا بجانب «مؤتمر الشارقة الدولي لموزعي الكتب»، الفريد من نوعه على مستوى العالم، والذي سدت عبره الإمارة فجوة عميقة بصناعة النشر الدولية من خلال التركيز على الحلقة الأهم؛ والمتمثلة بإيصال المؤلفات - بمختلف قوالبها - إلى القراء بكافة البقاع، بعد تذليل شتى العقبات والتحديات.
وأفضى هذا التميز لبروز رياديين من الشارقة في فضاء النشر والكتاب دولياً، حيث تجسد سمو الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي، رئيسة مجلس إدارة هيئة الشارقة للكتاب الشخصية القيادية الأكثر تأثيراً بنقل الحراك الثقافي للإمارة نحو الساحات العالمية، إذ تخطى عطاؤها النطاق المحلي بصناعة النشر، لتغدو أول امرأة عربية، وثاني شخصية نسائية عالمياً تتبوأ رئاسة الاتحاد الدولي للناشرين بين عامي 2021 و2022، الأمر الذي شكل إنجازاً تاريخياً وفتحاً عظيماً للشارقة والعرب في المحافل الثقافية الدولية.

مركز ثقل

وعبر هذه الرؤى المبتكرة، غدت الشارقة مركز ثقل معرفياً عالمياً، فبات بديهياً تجسيدها حضوراً استثنائياً وفاعلاً ضمن المحافل الدولية المعنية بالثقافة والكتاب، حيث أضحت شتى الدول تتسابق لاستضافتها ضيف شرف بمعارضها، بل إن حواضر الثقافة أخذت تدعوها كأول ضيف شرف عربي لدى العديد من المهرجانات العالمية.
وهذا يتيح التقاء الثقافة العربية ممثلةً في الشارقة بثقافات مغايرة، ولعل تلك اللقاءات تجسد في جوهرها الرؤية الاستراتيجية للإمارة؛ فالوجود الدولي لا يقتصر لديها عند عرض المؤلفات والكتب وإبرام الصفقات فحسب، بل يتعداه لمد جسور الحوار والتفاعل الحضاري، وتفعيل المثاقفة مع مجتمعات وبلدان قد تبدو نائية جغرافياً ولغوياً، بيد أنها قريبة بالقيم الإنسانية المشتركة، وتلك هي الآفاق التنويرية التي تتحرك خلالها الشارقة بكل جدارة.

التواصل الحضاري

مؤخراً اختيرت الشارقة رسمياً أول ضيف شرف عربي في تاريخ معرض بوغوتا الدولي للكتاب لعام 2027، بجمهورية كولومبيا في أمريكا اللاتينية، وهو إنجاز استثنائي وفتح تاريخي يضاف لرصيد مشروع الإمارة التنويري المتنامي يوماً بعد يوم؛ إذ غدت الشارقة بموجب هذه الاستضافة الواجهة المختارة دون غيرها من الحواضر العربية، لتسجل حضوراً لافتاً بمركز «كورفيريس» للمعارض في إحدى أبرز العواصم اللاتينية الشغوفة بالحراك الفكري والثقافي.
وتأتي تلك الدعوة للشارقة محملةً بدلالات ومؤشرات عميقة، أبرزها ترسيخ التواصل والتناغم الفكري والأدبي، وفي هذا الصدد أكدت سمو الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي، أن الاستضافة تشكل فرصةً استثنائية لتعزيز التبادل الثقافي بين العالم العربي وأمريكا اللاتينية، وتوسيع حضور الأدب العربي بالإسبانية، وينسجم هذا التوجه مع استراتيجية الدولة التي جعلت الفكر ركيزةً جوهرية بمسيرة التلاقي الحضاري مع شتى الأمم، إذ تعكس الدعوة المكانة المرموقة لبلادنا ولإمارة الشارقة بفضل مشروعها الثقافي المتكامل.
إذ ستتيح هذه الاستضافة للناطقين بالإسبانية استكشاف المنجز الثقافي العربي المعاصر، عبر تقديم الإبداعات والمؤلفات الراهنة الملامسة لقضايا الإنسان وواقعنا المجتمعي، ونقلها للغتهم؛ تمكيناً للقارئ في أمريكا اللاتينية من استيعاب الحراك الفكري بوطننا العربي بعيداً عن الرؤى النمطية الزائفة المتجذرة بالأذهان، كما تشكل المشاركة بهذا المحفل العالمي فرصةً سانحة لاستعراض الطفرة الكبرى بقطاع النشر العربي، وإبراز حقولٍ واعدة بدأت تزدهر كأدب الأطفال والمصنفات الفنية والسينمائية التي صاغتها عقول إبداعية شابة.
كذلك تُشكّل المشاركة نافذةً مثالية لإبراز وإعادة تعريف التراث العربي، لكون الثقافة الناطقة بالإسبانية تمتلك أرضيةً معرفية حول هذا الموروث، ولديها روابط تاريخية متجذرة بالمنطقة وحضارتها الأندلسية العريقة، ومن ثمَّ يغدو وجود الشارقة فرصةً سانحة لعرض أصولٍ نادرة من المخطوطات والمراجع القديمة بشتى العلوم والآداب والفلسفة والفنون ومختلف الميادين الحضارية والإنسانية.
تمتد العلاقة اللغوية بالإسبانية تاريخياً، لكونها تحوي ضمناً كماً هائلاً من المفردات ذات الجذور العربية الأصيلة، ما يمنح الزوار شعوراً حقيقياً بالألفة الثقافية المتبادلة، فضلاً عن أن قارة أمريكا الجنوبية شهدت قديماً موجات هجرة عربية واسعة من بلاد الشام، اندمج أصحابها كلياً بالنسيج المجتمعي والعرقي لتلك الدول، ومن شأن هذا الجهد إثراء المكتبة الإسبانية بإصدارات فكرية ترسخ التقارب الإنساني المستدام وتبني علائق معرفية متجددة وبناءة.
وترسخ هذه الاستضافة مكانة الشارقة المرموقة بقطاع النشر، بتجسيدها أبعاداً مهنية حيوية تتبلور في تفعيل اللقاءات الثنائية بين الناشرين والمترجمين والوكلاء الأدبيين لتيسير عمليات تبادل حقوق الطبع والتوزيع، الأمر الذي يضيف كثيراً إلى رصيد الإمارة الزاخر في هذا المجال المهم.

توجه

نجحت إمارة الشارقة عبر حراكها الثقافي، بإحداث اختراقٍ بارز بمسار العلاقات الدولية مع شتى الشعوب والمجتمعات المختلفة، فالاعتناء بالكتاب وصناعة النشر، لم ينطلق فقط من غاياتٍ تسويقية بحتة، بل يمثّل توجهاً فكرياً ودبلوماسياً متكاملاً؛ ففي عالمٍ يموج بالرؤى النمطية والأفكار المغلوطة عن حضارتنا وثقافتنا العربية، تمكنت الشارقة من تبديد كافة الحواجز مستخدمةً قوتها الناعمة لإعادة تقديم الهوية العربية بجمالياتها وأفكارها ومنطلقاتها الفلسفية الحقيقية.
وحينما يشهد العالم قاطبةً إمارةً عربية تقود منظمات النشر الدولية وتدعم المكتبات المتضررة في كافة أنحاء العالم، وترعى معارض الكتب بقاراتٍ مختلفة، فإن ذلك يصنع تحولاً جذرياً بنظرة المجتمعات الأخرى للمنجز العربي المعاصر، بل وحول كينونة المعرفة ذاتها، إذ إن ما تشيده الشارقة من شأنه إحداث قفزةٍ كبرى بمفاهيم الثقافة والفكر لتتوجه فعلياً وبشكل حقيقي نحو خدمة التلاقي والتلاحم الإنساني.
والحقيقة أن الشارقة حلت كأول ضيف شرف عربي، بفعاليات ومحافل دولية أخرى، إذ حضرت كذلك بتلك الصفة الرسمية بفعاليات معرض «غوادالاخارا» الشهير في المكسيك، والذي يصنف كأحد أفضل منصات الكتب في أمريكا اللاتينية، ويعد الأكبر للنشر باللغات الرومانسية، ودائماً ما يشهد تقديم جوائز ومسابقات أدبية رفيعة إذ تمنحها الرابطة الأهلية لجائزة خوان رولفو للآداب في أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي، التي تأسست عام 1991 من لدن جامعة «غوادالاخارا»، ويتم كل عام استضافة إحدى الدول كضيف شرف، وتم اختيار الاحتفاء بإمارة الشارقة عام 2022، في دورته رقم 36، نظير ما قدمته الشارقة من تجارب رائدة لتعزيز التلاقي والتواصل الحضاري الإنســـاني بين شتى الشعوب.
وشكّلت تلك المساهمة ركيزةً استثنائية للشارقة لتركيزها على نقل النتاج الأدبي الإماراتي والعربي للإسبانية، كما حظي صندوق منحة معرض الشارقة الدولي للكتاب للترجمة بإقبالٍ واسع من الناشرين المكسيكيين والأجانب المتطلعين لتبادل حقوق النشر والتوزيع.

رافعة فكر ومعرفة

نجحت إمارة الشارقة من خلال حراكها الثقافي الفسيح والممتد الذي شمل كافة دول العالم بأن تؤسس بالفعل لنمطٍ فريد من العلاقات الدولية المرتكزة أساساً لرافعة الفكر والمعرفة، وهذا الأمر ما ذهبت لتأكيده باولا أندريا هولغين مورينو، وزيرة الثقافات والفنون والمعارف بجمهورية كولومبيا، حينما أشارت للتعاون الثقافي الراسخ والممتد بين دولة الإمارات وكولومبيا، معتبرةً تلك الدعوة الرسمية فرصةً متجددة لتعميق الحوار والتبادل الحضاري مع العالم العربي، لا سيما أن الوزيرة لفتت للدور المحوري الكبير للإمارة الباسمة، حينما أوضحت أن الشارقة راكمت عبر أربعة عقود تجربةً تنويرية رائدة جعلت الكتاب والمعرفة جسراً وثيقاً للتواصل الإنساني بين شتى الشعوب والثقافات.
وبناءً على ذلك، تشكل هذه الاستضافة لكولومبيا فضاءً أرحب يتيح فتح مسارات أمام الكتاب والناشرين والمبدعين بكلا الطرفين، وتطوير التعاون المشترك، وتدشين آفاق واعدة للحوار الفكري بين العالم العربي وأمريكا اللاتينية، لتغدو الثقافة والآداب جسراً إنسانياً جامعاً بينهما.

مشروع تنويري يطوف العالم

حلت الشارقة كأول ضيف شرف عربي على معرض وارسو الدولي للكتاب في بولندا خلال العام الجاري، لتحمل الشارقة صوب قارة أوروبا مشروعها التنويري الذي رسخته على مدى عقود متتالية، ومقدمة رؤية معاصرة عن الثقافة الإماراتية والعربية في واحدة من أبرز المحافل الثقافية بأوروبا الوسطى، وذلك عقب عقودٍ من الانكفاء العربي على معارض غرب أوروبا الكلاسيكية في لندن، فرانكفورت، وباريس، إذ يمثل الدخول إلى وارسو توجهاً استراتيجياً ذكياً نحو فضاء أوروبا الوسطى والشرقية حيث المحيط السلافي؛ وهي منطقة تكتنز شغفاً تاريخياً بالشرق وآدابه لكنها لم تحظَ بتبادلٍ فكري مباشر ومستدام بهذا الزخم اللامتناهي من قبل.
وحملت هذه المشاركة حضوراً بارزاً للمبدعين والأديبات والمؤسسات الثقافية الإماراتية بريادة «هيئة الشارقة للكتاب» في قلب بولندا، الأمر الذي أتاح تقديم صورةٍ حية ومعاصرة عن المجتمع العربي؛ تُبرز قيم التسامح والنهضة العلمية والتمكين الفكري.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة