الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

لفهم الصين، لا بد من فهم المسيرة الطويلة

4 نوفمبر 2026 09:31 صباحًا | آخر تحديث: 4 نوفمبر 2026 09:32 صباحًا
دقائق القراءة - 3
شارك
share
لفهم الصين، لا بد من فهم المسيرة الطويلة
«لم تكن هناك طرق على الأرض في الأصل، ولكن بكثرة العابرين صارت طريقاً».
 لو شون، من روايته القصيرة «مسقط الرأس»
في مطلع عام 1935، وعلى ضفاف نهر تشيشوي بمقاطعة قويتشو الصينية، واجه الجيش الأحمر الصيني واحدة من أصعب محطاته خلال المسيرة الطويلة. فقد وجد نفسه محاصراً بقوات معادية من الأمام والخلف، بعد أن تكبّد خسائر فادحة في معركة نهر شيانغ، تراجع على إثرها عدد قواته الرئيسية من أكثر من 80 ألفاً إلى نحو 30 ألف جندي. لكن الجيش الأحمر لم يستسلم، بل اعتمد المناورة والمرونة، فعبر نهر تشيشوي أربع مرات خلال ما يزيد قليلاً على شهرين، متنقلاً بين الشرق والغرب، ومربكاً خصومه حتى نجح في كسر الحصار. وأصبحت هذه العملية، المعروفة باسم «العبور أربع مرات لنهر تشيشوي»، إحدى أبرز المحطات في التاريخ العسكري الصيني الحديث وتزامنت هذه المرحلة مع انعقاد مؤتمر تسونيي التاريخي في يناير 1935، الذي شكّل منعطفاً مهماً في قيادة الحزب الشيوعي الصيني والجيش الأحمر، ورسّخ موقع ماو تسي تونغ القيادي. ومنذ ذلك الحين، تعزز نهج دراسة الواقع الميداني وتكييف الاستراتيجيات مع الظروف الفعلية، بما أسهم في تجاوز الصعوبات ومواصلة المسيرة الطويلة وفتح آفاق جديدة أمام الثورة الصينية.
وبعد مرور تسعين عاماً، قطعت الصين شوطاً بعيداً عن الجبال المغطاة بالثلوج ،المستنقعات والمروج العشبية التي اجتازها الجيش الأحمر، غير أن مسيرتها الطويلة لم تتوقف، بل دخلت مرحلة جديدة عنوانها النهضة الوطنية حيث جعل الحزب الشيوعي الصيني من تحقيق هذة النهضة العظيمة هدفاً محورياً وذلك من خلال التحديث وفقاً للنموذج الصيني .وتتمثل أهدافها في تحقيق التحديث الاشتراكي بصورة أساسية بحلول عام 2035، وبناء دولة اشتراكية حديثة قوية بحلول منتصف هذا القرن. وهي مهمة تاريخية غير مسبوقة، بالنظر إلى حجم السكان الذي يتجاوز 1.4 مليار نسمة، وهدف تحقيق الرخاء المشترك، دون الاستناد إلى نموذج جاهز قابل للاستنساخ. لكن روح المسيرة الطويله تواصل في إلهام الشعب الصيني للثبات ومواجهة الصعوبات ومواصلة التقدم .
وتستند هذه المسيرة الجديدة إلى جملة من المبادئ، في مقدمتها القيادة ذات الرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى، والإرادة والصبر في تحقيق الأهداف ، فالتحديث مشروع تاريخي يتطلب جهود أجيال متعاقبة . فمشروع المحطة الفضائية الصينية استغرق نحو ثلاثة عقود من التخطيط حتى اكتماله، فيما امتد برنامج «تشانغ آه» لاستكشاف القمر لأكثر من عشر سنوات، وصولاً إلى نجاحه في إعادة عينات من سطح القمر إلى الأرض. وهي إنجازات تعكس أهمية التخطيط طويل الأمد والمثابرة والعمل المتواصل.
كما تتطلب المسيرة الطويلة للعصر الجديد على الاعتماد على الذات والانطلاق من الواقع، فقد إختارت الصين مسار تنموي يتناسب مع الظروف الوطنية، وتطوير اقتصاد السوق الاشتراكي، وتعميق الإصلاح والانفتاح، وتعزيز القدرات العلمية والتكنولوجية. وقد تجلى ذلك في إنجازات بارزة في السكك الحديدية فائقة السرعة والفضاء والطاقة الجديدة، مؤكداً أن طريق التحديث الصيني لم يكن نموذجاً جاهزاً، بل ثمرة ممارسة واستكشاف مستمرين.
ويظل الإنسان محور هذه المسيرة وغايتها. فكما ساند السكان المحليون الجيش الأحمر بالغذاء والمأوى ورعاية الجرحى، تضع الصين اليوم تحسين حياة الشعب في مقدمة أولوياتها، بعد انتشال مئات الملايين من الفقر، وتطوير أكبر منظومات التعليم والضمان الاجتماعي والرعاية الصحية في العالم. وحتى جبل جياجين، الذي كان اجتيازه وسط الثلوج تحدياً شاقاً، أصبح اليوم يضم نفقاً يربط المناطق ويخفف معاناة السكان، محولاً الحواجز الطبيعية إلى جسور للتواصل والتنمية.
ولا تقتصر هذه المسيرة على الداخل الصيني، بل تمتد إلى التعاون مع العالم، انطلاقاً من التمسك بالتنمية السلمية والانفتاح وتبادل فرص التقدم، واحترام حق كل دولة في اختيار مسار التحديث الذي يلائم ظروفها وخصوصيتها. وفي هذا السياق، تقدم دولة الإمارات العربية المتحدة تجربة تنموية تعكس قدرتها على صياغة مسارها الخاص؛ فمن دولة خليجية عُرفت قديماً بتجارة اللؤلؤ، أصبحت اليوم مركزاً اقتصادياً وتجارياً عالمياً مهماً يصل الشرق بالغرب.
وحيث تلتقي التجربتان الصينية والإماراتية في قيم الإيمان بالمستقبل، والإستقلالية في الرؤية والنهج، والعزيمة على العمل الجاد، وبدور الشعب والإعتماد عليه. وهكذا فإن روح المسيرة الطويلة، بما تحمله من عزيمة ومثابرة وثقة بالقدرة على شق الطرق الجديدة، تظل جسراً يربط بين الشعبين الصيني والإماراتي، ودافعاً لمواصلة التعاون واستكشاف آفاق أرحب من التنمية والازدهار المشترك.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة