بين عشية وضحاها، تعرّض الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه الرئيس دونالد ترامب لهزيمة انتخابية قاسية، امتدت عبر خريطة الولايات المتأرجحة ووصلت إلى بعض المناطق الأكثر تأييداً للحزب الجمهوري في أمريكا. وستُسجّل انتخابات التجديد النصفي لعام 2026 كواحدة من أكثر عمليات رفض سياسات البيت الأبيض وخصوصاً الاقتصادية في التاريخ الأمريكي الحديث، على نطاق يذكّر بما جرى عقب قضية ووترغيت عام 1974.
فبعد عامين من عودة ترامب التي بدت وكأنها تبشّر بإعادة تنظيم سياسي تاريخي، أصدر الناخبون حكماً قوياً على رئاسته الثانية، حيث سيطر الديمقراطيون على مجلسي الكونغرس، وهم في طريقهم للفوز بما يصل إلى 40 مقعداً في مجلس النواب وسبعة مقاعد على الأقل في مجلس الشيوخ، متجاوزين بذلك توقعاتهم الأكثر جموحاً قبل الانتخابات. واجتاحت الموجة الزرقاء مناطق عميقة في معاقل الجمهوريين، من تكساس وجورجيا إلى ولايتي كارولينا، ما أدى إلى قلب مئات المقاعد التشريعية وتحقيق فوز الديمقراطيين في أكثر الولايات غير المتوقعة، في حين حدد مراقبون خمسة ملامح رئيسية شكلت «التسونامي الأزرق» في إشارة إلى لون الحزب الديمقراطي مقابل الأحمر الجمهوري.
أولاً: تكساس تتحول إلى اللون الأزرق
بعد عقود من الآمال المحطمة، تمكن الديمقراطيون أخيراً من غزو أكثر معاقل الجمهوريين المرغوبة في البلاد، في اكتساح ساحق لدرجة أنه أجبر الحاكم غريغ أبوت، الذي شغل المنصب لثلاث فترات، على ترك منصبه.
أصبحت جينا هينوخوسا أول حاكمة من أصول لاتينية للولاية، بينما هزم جيمس تالاريكو كين باكستون، المدعوم من ترامب ليصبح أول ديمقراطي من تكساس يُنتخب لمجلس الشيوخ منذ عام 1988، رغم ضخامة إنفاق الحملات الدعائية والتي اعتبرت الأعلى في أمريكا بمقدار نصف مليار دولار. كما امتد الهجوم الديمقراطي ليشمل المكاتب على مستوى الولاية وربما مجلس نواب تكساس، ما يشير إلى أن مستقبل الولاية السياسي قد يكون على المحك بعد 32 عاماً من هيمنة الحزب الجمهوري.
ثانياً: الديمقراطيون يقتحمون مجلس الشيوخ
ما بدا في السابق وكأنه خريطة صعبة للغاية بالنسبة للديمقراطيين تحوّل إلى فوز تاريخي، حيث شاهد الجمهوريون أغلبيتهم البالغة 53 مقعداً تنهار في الولايات التي فاز بها ترامب بفارق كبير. وكسر الديمقراطيون سلسلة خسائر استمرت 94 عاماً في كنساس، وأطاحوا بالجمهوريين في أوهايو وأيوا ونورث كارولينا، واستحوذوا على ولاية ساوث كارولينا لأول مرة منذ عام 1998. وفي ولاية مين، تمكن الديمقراطيون أخيراً من الإطاحة بالسيناتور سوزان كولينز التي شغلت المنصب لخمس دورات بعد العديد من المحاولات الفاشلة، مما وضعهم على المسار الصحيح لتحقيق أغلبية 54 مقعداً، مع إمكانية تحقيق ذلك في ألاسكا وحتى ميسيسيبي، ما يمنحهم فرصة للوصول إلى 55 أو 56 مقعداً.
ثالثاً: انهيار تحالف «ماغا»
انقسم التحالف متعدد الأعراق والطبقة العاملة الذي دعم عودة ترامب في عام 2024 بشكل مذهل الثلاثاء، مما أثار تساؤلات جدية حول مدى استدامة حركة MAGA على المدى الطويل. وأظهر استطلاع رأي أجرته وكالة أسوشيتد برس على مستوى البلاد أن ما يقرب من 70% من الناخبين الذين تقل أعمارهم عن 30 عاماً و60% من الناخبين من أصل إسباني أيدوا مرشحي الحزب الديمقراطي لمجلس النواب، وسط غضب واسع النطاق بشأن الاقتصاد والحرب الإيرانية.
وفي مقاطعة ستار بولاية تكساس ذات الأغلبية اللاتينية، والتي قلبها ترامب بشكل واضح في عام 2024، تقدم تالاريكو بما يقرب من 60 نقطة، وهو تحول مذهل بمقدار 75 نقطة عن العامين السابقين.
رابعاً: انهيار جدار الحماية الجمهوري في مجلس النواب
الديمقراطيون في طريقهم لتحقيق أكبر أغلبية لهم في مجلس النواب منذ عام 2009، ومن المحتمل أن يفوزوا بما يصل إلى 255 مقعداً. وشملت الخسائر جميع أعضاء المؤتمر الجمهوري، من المتحمسين لشعار «لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً» إلى المعتدلين المخضرمين. حتى المقاعد التي أعيد رسمها لحماية الجمهوريين من موجة ديمقراطية سقطت في أيدي الديمقراطيين، مما حوّل هجوم ترامب لإعادة تقسيم الدوائر الانتخابية إلى خطأ فادح في الحسابات.
وبعد ضمان سيطرة الديمقراطيين على مجلس النواب، لم يضيّعوا وقتاً طويلاً في الإشارة إلى الخطوة التالية. وقد لخّص رئيس لجنة الرقابة الجديد، روبرت غارسيا، رغبة الحزب في إجراء التحقيقات بكلمتين: «استعينوا بمحامين».
خامساً: الفائزون والخاسرون في انتخابات 2028
أدى الفوز الساحق يوم الثلاثاء إلى صعود جيل جديد من المتنافسين الديمقراطيين وألقى بظلاله على طموحات نائب الرئيس جيه دي فانس الرئاسية. فقفز السيناتور جون أوسوف من ولاية جورجيا، الذي أُعلن فوزه بعد 15 دقيقة من إغلاق مراكز الاقتراع، إلى صدارة المرشحين الديمقراطيين. وقد أزال فوز كيشا لانس بوتومز التاريخي بمنصب حاكمة الولاية عقبة رئيسية أمام كل من أوسوف والسيناتور رافائيل وارنوك: إذ كان بإمكانها تعيين ديمقراطي لشغل مقعديهما في حال فوز أي منهما بالرئاسة.
أما فانس، الوريث السياسي المفترض لترامب، فيواجه الآن تداعيات الحرب الإيرانية التي لا تحظى بشعبية كبيرة وانهيار تحالف كان يأمل أن يوصله إلى البيت الأبيض.
وعلى مدى عقد من الزمان، كان ترامب محور ثقل السياسة الأمريكية. وتشير نتائج يوم الثلاثاء إلى أن تلك الحقبة قد تكون أخيراً على وشك الانتهاء. فبعد أن بدت عودة ترامب في 2024 وكأنها تؤسس لإعادة تنظيم سياسي تاريخي، جاءت انتخابات التجديد النصفي لتكشف هشاشة ذلك التحالف، وتفتح الباب أمام جيل جديد من القيادات الديمقراطية، وترسم خريطة سياسية جديدة قد تحكم البلاد لعقد قادم.