الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

أحمد العامري: الثقافة زاد الشارقة

4 نوفمبر 2026 00:16 صباحًا | آخر تحديث: 4 نوفمبر 2026 00:16 صباحًا
دقائق القراءة - 7
شارك
share
أحمد العامري
أحمد العامري
icon الخلاصة icon
معرض الشارقة 45 يرسخ الكتاب كزاد للتنمية، ويجعل الشارقة مركزاً معرفياً عبر الترجمة والشراكات والتكامل الحضاري لإضافة عربية للعالم
تفرض الدورة 45 من معرض الشارقة للكتاب، التي تنطلق اليوم، تحت شعار «من صُنع الحكايات»، أسئلة جديدة تتجاوز حدود ما حققه المعرض من نمو وانتشار، إلى ما تقوله تجربته عن دور المدن العربية في إنتاج المعرفة، وعن قدرة الكتاب على حفظ ما تضيفه الحضارات بعضها إلى بعض، وعن الحكايات التي لا تكتفي برواية التجربة الإنسانية، بل تشارك في تشكيلها.
في هذا الحوار مع «الخليج»، يقدم أحمد بن ركاض العامري، الرئيس التنفيذي لهيئة الشارقة للكتاب، قراءة في موقع المعرض ضمن المشروع التنموي للشارقة، وفي معنى التكامل المعرفي بين الحضارات، والعلاقة بين السرد والهوية الإنسانية، ومسؤولية المؤسسات الثقافية تجاه ما سيقرأه العالم في المستقبل.
* بعد خمسة وأربعين عاماً، ما الفكرة التي لا تزال تحكم مسيرة المعرض؟
هناك فارق بين أن نريد للإنسان أن يعيش في مدينة متقدمة، وأن نريده أن يكون شريكاً في تقدمها؛ الفكرة الأولى تدفعنا إلى بناء المؤسسات وتوفير الخدمات وتحسين شروط الحياة، أما الثانية فتضيف إلى ذلك سؤالاً أكثر عمقاً: كيف نمنح الإنسان القدرة على فهم التحولات التي يعيشها، والتأثير فيها، والإسهام في توجيهها؟، هذا السؤال يقع في قلب المشروع الثقافي الذي أرسى دعائمه صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، فالتنمية في رؤية سموه لا تكتمل حين تتحسن حياة الإنسان من الخارج فقط؛ وإنما حين تتسع قدرته من الداخل، بالمعرفة التي يمتلكها، وبالخيال الذي يفتح له احتمالات جديدة، وبالوعي الذي يساعده على اتخاذ موقف مما يجري حوله.
أحمد العامري: الثقافة زاد الشارقة
ولهذا ظل الكتاب في رؤية صاحب السمو حاكم الشارقة أحد شروط نجاح المشروع الحضاري لإمارة الشارقة، هو بمعنى ما زادنا، فالمجتمع يستطيع أن يستورد كثيراً من الأدوات والتقنيات، لكنه لا يستطيع أن يستورد وعياً جاهزاً يناسب تجربته وتطلعاته، عليه أن يبنيه عبر التعليم والقراءة والحوار وتراكم الخبرة، وقد تساعده المعرفة التي ينتجها الآخرون، لكنها لا تعفيه من مسؤولية التفكير بنفسه.
ومن هنا نفهم لماذا استمر الاستثمار في معرض الشارقة الدولي للكتاب طوال هذه العقود، حيث كانت غايتنا الأساسية ليست أن يزور الإنسان معرضاً ثم يعود إلى حياته كما كانت، بل أن تتسع أمامه فرصة لاكتشاف فكرة أو اكتساب معرفة أو طرح سؤال، وأن تصبح القراءة جزءاً من قدرته على التعلم المستمر.
وهذا ما يجعلني أرى أن السنوات الخمس والأربعين الماضية لا تشكل عمر المعرض بالسنوات، بل تجسد استمرارية لقناعة تنموية: أن المعرفة ليست مرحلة ننجزها ثم ننتقل إلى ما بعدها، بل قدرة نحتاج إلى تجديدها طوال الحياة.

تأثير

* ما الذي يجعل الشارقة مركزاً معرفياً عالمياً، وليست مجرد وجهة لفعاليات ثقافية كبرى؟.
يمكن لمدينة أن تستضيف آلاف الضيوف، وأن تنظم حدثاً ناجحاً، ثم يعود الجميع إلى بلدانهم وتعود هي إلى ما كانت عليه، لكن هناك مدناً يصبح اللقاء فيها بداية لأعمال وأفكار وعلاقات تستمر في أماكن أخرى. هنا يتحول الحدث من مناسبة تجري في المدينة إلى فعل تؤثر به المدينة في العالم.
وأرى أن هذا التمييز أساسي لفهم موقع الشارقة اليوم، فنحن لا ننظر إلى حضور الناشرين والمبدعين الدوليين بوصفه شهادة اعتراف بمكانة المعرض فحسب، بل نسأل عما ينتج عن اجتماعهم هنا: ما الكتب التي ستُترجم؟ وما الشراكات التي ستنشأ؟، وما الأسواق التي ستصبح متاحة لناشرين لم يكونوا قادرين على الوصول إليها؟، وما الأفكار التي ستدخل إلى نقاشات جديدة بسبب لقاء بدأ في الشارقة؟
حين ننظر إلى المعرض بهذه الطريقة، تصبح أهميته أوسع من أيام انعقاده، فالاتفاق الذي يبدأ خلال مؤتمر الناشرين قد يتحول بعد عام إلى كتاب منشور بلغة أخرى، وهذا الكتاب قد يصل إلى قارئ في مدينة لم يزرها مؤلفه قط. وحين يحدث ذلك، تكون الشارقة قد أسهمت في إنتاج أثر معرفي خارج حدودها الجغرافية.
أحمد العامري: الثقافة زاد الشارقة
هذا هو أحد المعاني التي أرى أنها تميز المدن المعرفية، فهي مدن لا تحتفظ بكل ما تنتجه داخلها، بل تتسع قيمتها بقدر ما يستطيع الآخرون البناء عليه، فالمدينة الصناعية قد تُعرف بما تصنعه وتصدره، أما المدينة المعرفية فتُعرف بما تمكّن الآخرين من التفكير فيه وإنتاجه. وهكذا أراد صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي لإمارة الشارقة.. أن تكون مدينة معرفية، لا يأتي إليها العالم فقط.. بل يخرج منها ما يغيّر العالم.
وفي هذا السياق، تكتسب تجربة الشارقة أهمية خاصة بالنسبة إلى الثقافة العربية، إذ اعتادت مؤسسات ثقافية عربية كثيرة أن تنظر إلى المراكز العالمية الكبرى باعتبارها الوجهات التي ينبغي الوصول إليها، أما مشروع الشارقة الثقافي، فقد عمل على بناء موقع عربي يستطيع العالم أن يأتي إليه، وأن يجد فيه شركاء وفرصاً ومعرفة تستحق الاهتمام.
وهذا لا يعني أننا نريد استبدال مركز ثقافي بآخر، أو نقل احتكار التأثير من مدينة إلى مدينة؛ على العكس، فإن ازدياد عدد المراكز المعرفية الفاعلة يوسّع فرص الثقافة الإنسانية.

أدوار

* يكشف تاريخ المعرفة الإنسانية أن الحضارات لم تتقدم بمعزل عن بعضها؛ كيف تنظرون إلى دور الكتاب في تحقيق هذا التواصل المعرفي بين الحضارات؟، وأين يتموضع معرض الشارقة الدولي للكتاب اليوم في هذه الحركة المستمرة لإنتاج المعرفة؟
إذا تأملنا تاريخ المعرفة، فسنجد أن واحدة من أعظم قدرات الإنسان هي أنه لا يحتاج إلى إعادة اكتشاف كل شيء بنفسه، نحن نولد في عالم سبقنا إليه آخرون، تركوا لنا لغات ومفاهيم وعلومًا وطرائق في التفكير، وما نسميه تقدماً هو، في جانب كبير منه، قدرتنا على أن نبدأ من نقطة أبعد من تلك التي بدأ منها من سبقونا.
لكن هذه القدرة لم تكن لتصبح ممكنة بالصورة التي نعرفها لولا وسائل حفظ المعرفة وتداولها، وفي مقدمتها الكتاب، فالخبرة التي تبقى في ذهن صاحبها تنتهي، أو يتعذر الوصول إليها، حين يغيب، أما حين تُدوّن، فإنها تخرج من حدود حياته الشخصية وتصبح متاحة للنقد والتصحيح والتطوير، وربما تتحول بعد قرون إلى نقطة انطلاق لاكتشاف لم يكن يتصوره صاحبها.
وهذا ما يكشفه تاريخ التفاعل بين الحضارات، فقد وصلت إلى الحضارة العربية الإسلامية مؤلفات ومعارف من تقاليد مختلفة، وانتقلت إلى العربية عبر حركة واسعة من الترجمة والبحث، لكن العلماء والمفكرين لم يتعاملوا معها بوصفها نصوصاً نهائية ينبغي حفظها كما هي، بل درسوها وناقشوها وصححوا بعض نتائجها وأضافوا إليه، وفي الطب والرياضيات والبصريات والفلسفة وغيرها، ظهرت إسهامات أصبحت بدورها جزءاً من المعرفة المتاحة لحضارات أخرى.
ثم انتقلت مؤلفات عربية إلى اللاتينية ولغات أوروبية أخرى، ودخلت في التعليم والبحث، وأسهمت إلى جانب مصادر متعددة في تطور المعرفة الأوروبية، ولو تأملنا هذه الحركة، لوجدنا أن أهم ما فيها ليس اتجاه انتقال المعرفة من حضارة إلى أخرى، بل استمرار قدرتها على التحول كلما دخلت بيئة جديدة ووجدت من يعيد التفكير فيها. هنا تتجلى أهمية المشروع التأريخي لصاحب السمو حاكم الشارقة. سموه أراد من كتابة التاريخ ليس تبيان الحقائق فقط، بل تمكين اللغة والثقافة العربية بهذه الحقائق ومنحها أسباب قوتها وقدرتها على الاستمرار في التفاعل مع الثقافات الأخرى.
وعليه فأنا أرى أن مفهوم «التكامل المعرفي» أعمق من فكرة التعارف بين الثقافات، فالتعارف يجعلنا نعرف ما لدى الآخرين، أما التكامل فيبدأ حين تصبح معرفتهم جزءاً مما نستطيع نحن أن نفكر فيه وننتجه؛ إنه انتقال من معرفة الآخر إلى البناء على ما أنجزه.
ولعل أجمل ما في هذه الفكرة أنها تضع الحضارات أمام مسؤولية مشتركة، فلا يكفي أن نسأل: ماذا أخذنا من الحضارات السابقة؟ بل ينبغي أن نسأل أيضاً: ماذا أضفنا نحن إلى ما أخذناه؟ وماذا سنترك لمن يأتي بعدنا؟.
وهذا السؤال يخص الثقافة العربية اليوم بقدر ما يخص تاريخها، فالاعتزاز بما قدمه علماؤنا ومفكرونا عبر القرون مهم، لكنه لا ينبغي أن يحجب عنا حقيقة أن دورنا الحضاري لا يكتمل باستعادة تلك الإسهامات، بل باستمرار القدرة على الإضافة.
وهنا، يؤدي معرض الشارقة الدولي للكتاب دوراً في تهيئة الشروط المعاصرة لهذا التكامل، فحركة الترجمة وتبادل الحقوق والنشر المشترك ليست عمليات تجارية وحسب؛ إنها تتيح انتقال الأفكار إلى بيئات جديدة، حيث يمكن أن تُقرأ وتُناقش وتلهم أعمالاً أخرى، ولا نعرف دائماً أين ستصل فكرة بدأت في كتاب، لكننا نعرف أن فرصتها في الإسهام تتسع كلما أصبحت متاحة لمزيد من العقول.

غاية

* كيف يمكن أن تتحول مكانة المعرض العالمية إلى أثر أعمق للثقافة العربية؟
أعتقد أن علينا أن ننتقل من سؤال: كيف نجعل العالم يرى الثقافة العربية؟ إلى سؤال آخر: كيف نجعل العالم يقرأها ويفكر معها ويبني على ما تقدمه؟.
الرؤية والاهتمام مرحلتان مهمتان، لكنهما ليستا الغاية النهائية، فقد يحظى كتاب عربي بتغطية إعلامية واسعة، أو يُعرض في معرض دولي كبير، من دون أن يجد طريقه إلى القراء أو يدخل في نقاش معرفي أوسع. أما حين تُترجم أفكاره، وتُقرأ وتُناقش ويستشهد بها آخرون، فإن حضوره يصبح جزءاً من حركة المعرفة نفسها.
وهذا لا يعني أن قيمة الأدب أو الفكر تُقاس فقط بما يحققه خارج لغته. فلكل ثقافة مسؤولية أولى تجاه قرائها ولغتها ومجتمعها. لكننا حين نتحدث عن الدور العالمي للثقافة العربية، فإن السؤال يتعلق بقدرتها على تقديم إسهامات تدخل في الخبرة الإنسانية المشتركة.
وأرى أن من أهم مسؤوليات المؤسسات الثقافية اليوم مساندة هذه القدرة على الإضافة، فنحن بحاجة إلى مؤلفين يجدون الوقت والفرص لتطوير أعمالهم، وناشرين يمتلكون الأدوات المهنية والمادية للاستمرار، ومترجمين قادرين على نقل النصوص بأمانة وإبداع، وشبكات توزيع تتيح للكتب الوصول إلى جمهورها.
ولهذا لا أفصل بين مكانة معرض الشارقة الدولي للكتاب والبرامج المهنية التي ينظمها. فمؤتمر الناشرين، والدورة التدريبية المتخصصة، ومنحة الشارقة للترجمة، ومؤتمر الشارقة الدولي للمكتبات، جميعها تعمل في حلقات مختلفة من المنظومة التي تتيح للكتاب أن يُنتج ويُترجم ويُوزع ويصل إلى قارئه.
وبتوجيهات سمو الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي، رئيسة مجلس إدارة هيئة الشارقة للكتاب، نواصل تطوير هذه المنظومة وتوسيع علاقاتها الدولية، انطلاقاً من قناعة بأن حضور الثقافة العربية لا ينبغي أن يظل رهين الاحتفاء بما قدمته في الماضي، وإنما يجب أن يمتد إلى ما تستطيع تقديمه في الحاضر والمستقبل.

إضافة حضارية

الثقافة لا تحتفظ بمكانتها التاريخية بمجرد تكرار الحديث عن إنجازاتها، بل حين تبقى قادرة على إنتاج ما يستحق أن تتحدث عنه الأجيال المقبلة. وقوة الثقافة العربية لا تكمن في ما ورثته وحده.. بل في ما تستطيع إضافته إلى مستقبل المعرفة.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة