لم يجئْ اختيار الكاتب والمفكر والناقد الباحث المغربي سعيد يقطين شخصية الدورة ال45 من معرض الشارقة الدولي للكتاب من فراغ، فالرجل يمتلك مسيرة حافلة وتجارب معرفية عميقة توّجها ببحوث ودراسات ومؤلفات رسمت ملامح مشروع فكري متكامل، لاسيما في ما يختص بدوره الرائد في إثراء الدراسات السردية العربية، والمزاوجة بين تحليل الرواية المعاصرة، وإعادة قراءة التراث السردي العربي، واستجلاء التحولات التي أحدثتها التكنولوجيا الرقمية في الأدب والثقافة.
انهمك يقطين طوال رحلته المعرفية في تطوير أدوات دراسة النصوص السردية، وتوسيع آفاق البحث في أشكال السرد العربي القديم والحديث، وصولاً إلى قضايا النص المترابط والأدب الرقمي ومستقبل إنتاج المعرفة وتلقيها، حتى غدا علماً من الأعلام التي يستحيل تجاوزها في العالم العربي.
سعيد يقطين
ولد يقطين في الدار البيضاء في المغرب عام 1955، في بيئة زاوجت بين الأصالة والانفتاح الثقافي، وتلك هي السمات التي ظل الناقد الكبير متمسكاً بها في تنقله بين التراث والمعاصرة، فالمدينة كانت تعج في حقبة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي بالصخب الاجتماعي والتنوع الثقافي، فتشكل وجدان يقطين من خلال المواءمة بين هذه الثنائيات والتناقضات في المجتمع المغربي الذي كان وقتها في طور تبدلات ومتغيرات اجتماعية نحو الحداثة محتفظاً بقيمه العربية في الوقت ذاته، فالدار البيضاء رغم كونها من كبريات المدن المغربية، فإنها كانت تزخر بالثقافة والفن الشعبي مثل الحكي والحلقة والحكايات المتداولة شفاهياً، وكان لذلك الواقع تأثيره العميق على يقطين خاصة في شغفه الأكاديمي البحثي بدراسة حكايات «ألف ليلة وليلة» والقصص الشعبية العربية، وسعيه نحو إعادة الاعتبار للسرد العربي بربطه بتراثه وخصوصيته من أجل ردم الفجوة في هذا المجال المهم.
ومنذ صباه المبكر، عُرف يقطين بشغفه بالقراءة والاهتمام بالروايات وما يقع في يده من كتب كانت تتوزع على المكتبات الشعبية والمدرسية، لذا ارتبط منذ وقت مبكر بالأدب العربي القديم والحديث والمترجم كذلك، محاولاً التنقيب في التراث واكتشاف مواطن الجمال والأفكار فيه، وقد وفرت له الدراسة الابتدائية والثانوية في المدارس المغربية أساساً متيناً على مستوى اللغة العربية وآدابها، إذ أشبعت المناهج الدراسية حبه للأدب العربي الكلاسيكي والحكاية الشعبية العربية، ليتوج ذلك المسعى بانتقاله للدراسة الجامعية في فاس، والتي عُدَّت مدينة العلم والتراث، إذ درس الآداب والعلوم الإنسانية، ولئن كانت الدار البيضاء هي المدينة الصاخبة التي مدت ذراعيها لاستقبال الحداثة، فقد كانت فاس هي البقعة الروحية الوادعة المتمسكة بالتراث واللغة، وكان لهذه الثنائيات دورها المحوري في جمع يقطين بين التراث والانفتاح على العصر ومنجز الحداثة الأدبية.
رحلة معرفية
منذ وقت مبكر بدأت فصول الرحلة المعرفية الكبيرة ليقطين، إذ تأثر في ذلك الحين بالاتجاهات والمدارس النقدية الحديثة التي بدأت تفد إلى العالم العربي في السبعينيات والثمانينيات خاصة «البنيوية»، التي كانت ذروة ذلك الوقت، وكذلك «السيميائية»، فتتلمذ وقرأ لكبار المنظرين والنقاد والمفكرين الغربيين في حقول السرد واللغة مثل: جيرار جينيت، وتزفيتان تودوروف، وميخائيل باختين، ورولان بارت، غير أن يقطين لم يكن مجرد متلقٍ لتلك النظريات والتيارات، بقدر ما أنه أخضع الرؤى التي حملتها للفحص وأجرى معها مناقشات ومقاربات، مطوراً تلك الأدوات المنهجية لمصلحة النص العربي الذي توجه نحو استنطاق جمالياته وتفكيك بنيته.
وفي النصف الثاني من ثمانينيات القرن الماضي، بدأ المشروع الفكري النقدي ليقطين في الوضوح، فقد شرع في تأسيس برنامج نقدي عربي متماسك، يجمع بين صرامة التحليل البنيوي وانفتاح الرؤية على التحولات الرقمية والثقافية، والعمل على قراءة النصوص من الداخل لا من خارجها، وإعادة وصل النقد العربي بواقعه المعرفي والثقافي وربطه بالمنجز التراثي والسير به نحو آفاق المعاصرة بقاعدة وتأسيس متين، وخلال تلك الفترة قام بتأليف كتابه التأسيسي «تحليل الخطاب الروائي: الزمن، السرد، التبئير»، عام 1989، و«التبئير»، في النقد الأدبي وتحليل الخطاب الروائي هو الزاوية أو المنظور المعرفي والبصري الذي تُرى وتُدرك من خلاله الأحداث داخل الرواية، فالكتاب يعد أحد أبرز المراجع البنيوية في النقد الأدبي العربي الحديث، إذ استند يقطين في هذا المؤلف إلى أطروحات السرديات الغربية، لا سيما أعمال الناقد الفرنسي جيرار جينيت، ليصوغ دليلاً نظرياً وإجرائياً متكاملاً يتناول المكونات الثلاثة الكبرى لبنية الخطاب الروائي «السرد والزمن والتبئير».
فتوحات
كان هذا الكتاب «تحليل الخطاب الروائي»، إضافة إلى الأفكار النقدية التي طرحها يقطين في ذلك الوقت، بمنزلة فتح معرفي كبير أحدث منعطفاً مهماً في مسيرة النقد العربي، حيث أقبل الناقد الكبير على هذه المهمة برافعة الاتكاء على التراث الحكائي والسرد الحديث، فقد كان النقد قبل يقطين يقوم على فكرة المرافعة الأيديولوجية أو التحليل الانطباعي، إذ كان النقاد يتوقفون - تناولاً - عند حدود ما يحمله النص من مضامين اجتماعية وسياسية وتاريخية، وكان ذلك الأمر يفوق عنايتهم بكيفية قوله، أي الشكل والبناء والتقنية، وتلك هي الجوانب الضرورية لفهم النص وإدراك معانيه، فعمل يقطين على تجاوز ذلك وتصحيح المسار النقدي عبر تأسيس «علم السرد»، بصرامة أكاديمية.
وبالكفاءة ذاتها في التعامل مع البنيوية وإسقاطها على واقع السرد العربي، فإن يقطين لم يرد أن يظل أسيراً في دائرة مغلقة أو وحيدة، فكان أن تجاوز التنظير البنيوي عند لحظة إدراكه أن النص هو عبارة عن حالة لا تعيش في فراغ، فكوّن أطروحة جديدة حملها كتاب بعنوان: «انفتاح النص الروائي: النص والسياق»، متأثراً هذه المرة بأطروحات باختين وجوليا كريستيفا حول «التناص» وتعدد الأصوات، إذ غاص يقطين في البحث عن علاقة الرواية بالنصوص الأخرى التاريخية والأسطورية والدينية والشعرية، وتوصل إلى الكيفية التي تعمل بها الرواية العربية في امتصاص تلك النصوص وإعادة إنتاجها من أجل أن تبني دلالاتها الخاصة، إذ إن يقطين نجح في بناء ترسانة مصطلحية عربية منضبطة ودقيقة، لتصبح المرجع الأول للباحثين والنقاد.
مرجعية التراث
بعد أن أكمل يقطين عمله بصورة شاملة في بناء قواعد تحليل السرد الحديث، عمل على العودة إلى الماضي العربي، إذ أدرك بوعي كبير أن هذا العمل لن يكون في تمام اكتماله إلا بالرجوع إلى الجذور، إلى قلب التراث الحكائي العربي، فكان أن تبحر في دراسة القصص العربي، خاصة سيرة عنترة بن شداد، وألف ليلة وليلة، وحي بن يقظان، وسيف بن ذي يزن، وغير ذلك من حكايات انكب على دراستها بمنظار حداثوي، إذ ترجم ذلك الاجتهاد في كتب مثل: «قال الراوي... البنيات الحكائية في السيرة الشعبية»، و«الكلام والخبر... مقدمة للسرد العربي»، وصدر هذان الكتابان في عام 1997.
وعبر هذا التنقيب في التراث، اجتهد يقطين في عملية تفكيك الآليات التي يعمل بها الحكي العربي القديم، وحاول التصدي لسؤال طرحه وهو: هل لدى العرب بذل نظري خاص بالسرد في تراثهم؟، ليكتشف أن العرب - في السابق - لم ينصب اهتمامهم على الشعر فقط، رغم سطوته وهيمنته، فقد كان لديهم نشاط سردي كبير، لكن تم تهميشه وإقصاؤه من دائرة التناول والاشتغال.
فعمل يقطين، على صياغة مفهومي «الكلام»، و«الخبر»، فالأول يحيل إلى التلفظ والخطاب، أما الثاني فيركز على المادة المحكية أو المتن، كما عمل يقطين على تبيان أن مهمة الراوي في السيرة والحكاية الشعبية لا تقتصر على النقل فقط، بقدر ما أنها مهمة إبداعية يتم فيها توظيف تقنيات معقدة على مستويات التناوب السردي وتداخل الحكايات والتكرار والتلوين العاطفي من أجل شد لفت انتباه المتلقي، أو المستمع، وبذلك أسهم يقطين في إعادة الاعتبار للسرديات الشعبية في التراث العربي الذي يزخر بالتعقيد البنائي بما يمكنه من محاورة أحدث النظريات السردية الغربية.
الرقمنة
لعل أكثر ما يميز يقطين في تجربته المعرفية عدم الانغلاق على فكرة معينة، واستقبال المتغيرات والتعامل معها بشكل عملي وعلمي، مع القدرة على التبصر والنظر نحو المستقبل، فقد التفت في وقت مبكر نحو التغيرات الكبيرة والمؤثرة التي أحدثتها الرقمنة في النص وبنيته وفي عمليتي القراءة والتأليف، فكان أن أسهم في تأسيس حقل «الأدب الرقمي والتفاعلي»، وعمل باجتهاد كبير على متابعة هذه المتغيرات العميقة في بنية المعرفة والإبداع الأدبي، وترجم ذلك الاهتمام - كعادته - إلى بذل نظري في مؤلفات مثل: «من النص إلى النص المترابط: مدخل إلى جماليات الإبداع التفاعلي»، عام 2005، و«النص المترابط ومستقبل الثقافة العربية»، عام 2008.
دفع يقطين بمصطلح «النص المترابط» إلى ساحة الحراك النقدي العربي، وأوضح أن شاشة الحاسوب أو الهاتف ليست مجرد حاضن جديد للكلمة المكتوبة، بقدر ما أنها فضاء يغير من طبيعة الكتابة نفسها، فكان أن دعا إلى ضرورة التفاعل مع «الثقافة الرقمية»، وعدم الانعزال داخل «الثقافة الورقية»، لأن تلك العزلة سوف تبعد العقل العربي عن المتغيرات والتحولات المعرفية التي يشهدها العالم، وذلك يشير إلى عمق الاستبصار والاستشراف عند يقطين خاصة أنه أنجز رؤيته تلك عن الرقمنة في بداية الألفية الثالثة.
والواضح في توجه يقطين، ذلك السعي نحو تأسيس معرفة أدبية تتسم بالمنهجية والعلمية، وذلك الأمر يتضح من خلال كتابه «الفكر الأدبي العربي: البنيات والأنساق»، عام 2014، وهو المؤلف الذي يخوض في موضوع أزمة النقد العربي بشكل مباشر وصريح، فهو يرى أن هناك غياباً لفكر أدبي حقيقي يقود إلى بناء نظرية متماسكة، فالنقد في العالم العربي يقوم على الارتجال والتأثر اللحظي بعصارة المدارس الفكرية النقدية من دون هضمها، إلى جانب التحليل الأيديولوجي للنصوص وفق هوى الناقد الذي يعمل على إسقاط رغباته على النص.
تأسيس
يقترح سعيد يقطين تأسيس علم للأدب، بجهاز مفاهيمي خاص، مستنداً إلى ضوابط علمية صارمة، لذلك هو يرى أن السرديات كعلم ليست فقط أداة تعمل على تشريح الرواية، بقدر ما أنها تقدم «رؤية للعالم»، فالإنسان هو كائن سردي، فهو يعي ذاته وتاريخه، ويصنع هويته عبر السرد والحكايات.