مع استعادة الحزب الديمقراطي السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ الأمريكيين في انتخابات التجديد النصفي، تتجه واشنطن إلى مواجهة سياسية وتشريعية محتملة بين الكونغرس والبيت الأبيض، بعدما أعلن الرئيس دونالد ترامب استعداده لاستخدام حق النقض الرئاسي «الفيتو» لعرقلة مشروعات القوانين التي لا تتوافق مع أجندته، بالتوازي مع توسيع الاعتماد على صلاحياته التنفيذية.
وفي مقابلة هاتفية مع شبكة «سي بي إس نيوز» قبل إغلاق مراكز الاقتراع في 3 نوفمبر 2026، وصف ترامب الفيتو بأنه «السلطة المطلقة» التي يمتلكها لمواجهة الكونغرس، وأبدى ترحيبه بلقب «السيد فيتو»، مؤكداً أنه يستطيع تعطيل التشريعات الديمقراطية، حتى إذا امتلك الحزب الأغلبية في المجلسين.
لكن امتلاك الرئيس حق النقض لا يعني أنه صاحب الكلمة الأخيرة في واشنطن؛ فالدستور يمنح الكونغرس أدوات لتجاوز الفيتو وممارسة الرقابة على الإدارة، إلى جانب صلاحيات مستقلة تتعلق بالإنفاق والتعيينات والتحقيقات البرلمانية.
ترامب يلوح بصلاحيات لمواجهة أغلبية الديمقراطيين
لم يحصر ترامب خطته في استخدام الفيتو، بل استند إلى أحكام حديثة للمحكمة العليا الأمريكية، قال إنها عززت سلطات الرئيس في إدارة الوكالات والمؤسسات الفيدرالية.
واستشهد بحكم المحكمة في قضية «ترامب ضد سلوتر»، الصادر بأغلبية 6 أصوات مقابل 3، والذي أتاح له إقالة ريبيكا سلوتر، العضوة في لجنة التجارة الفيدرالية.
واعتبر أن الحكم يمنح الرئيس صلاحيات واسعة لم تكن متاحة من قبل، ويمكن أن يشكل أساساً لتحركات إدارته التنفيذية خلال عام 2027.
وبحسب مصادر مقربة من البيت الأبيض تحدثت إلى «سي بي إس نيوز»، شهدت الأسابيع الأخيرة مناقشات بشأن إجراءات تنفيذية جديدة، شارك فيها نائب رئيس موظفي البيت الأبيض ستيفن ميلر، ومدير مكتب الإدارة والميزانية راسل فوت، مع التركيز على ملفات الهجرة والتجارة والحدود وإدارة الحكومة والسياسة الخارجية والأمن القومي.
كيف يستطيع ترامب استخدام الفيتو لإسقاط القوانين؟
يمنح الدستور الأمريكي الرئيس حق الاعتراض على مشروعات القوانين التي يقرها الكونغرس، من خلال ما يعرف بالفيتو العادي، إذ يستطيع إعادة المشروع إلى المجلس الذي بدأ منه خلال مهلة 10 أيام، باستثناء أيام الأحد، مع توضيح أسباب رفضه.
لكن هذا الاعتراض ليس نهائياً؛ إذ يستطيع الكونغرس تجاوز الفيتو بموافقة ثلثي الأعضاء المصوتين في كل من مجلس النواب ومجلس الشيوخ، مع توافر النصاب القانوني.
وعند اكتمال عضوية المجلسين ومشاركة جميع الأعضاء في التصويت، يتطلب ذلك 290 صوتاً في مجلس النواب و67 صوتًا في مجلس الشيوخ.
وسبق أن واجه ترامب تجاوز الكونغرس لفيتوه خلال ولايته الأولى، عندما رفض قانون تفويض الدفاع للسنة المالية 2021، قبل أن ينجح المجلسان في تمريره رغم اعتراضه؛ إذ صوت 322 عضواً في مجلس النواب و81 عضواً في مجلس الشيوخ لصالح تجاوز الفيتو.
وهناك نوع آخر يعرف باسم «الفيتو الجيبي»، ويحدث عندما ينفض الكونغرس جلساته قبل انتهاء المهلة الدستورية، ولا يعيد الرئيس مشروع القانون، فيسقط التشريع دون إمكانية تجاوزه بالطريقة المعتادة.
الفيتو لا يمنح ترامب سلطة التشريع أو فرض البدائل
رغم أن تهديد الرئيس باستخدام الفيتو قد يدفع المشرعين إلى تعديل مشروعات القوانين قبل إرسالها إلى البيت الأبيض، فإنه لا يمنحه حق إصدار تشريعات بديلة أو إجبار الكونغرس على إقرار برنامجه السياسي.
فالفيتو أداة لتعطيل قانون، وليس تفويضاً للرئيس بالتشريع منفرداً، كما لا يستطيع ترامب استخدامه لمنع التحقيقات البرلمانية أو جلسات الاستماع التي يطلقها الديمقراطيون، إذ لا تتطلب هذه الإجراءات توقيعه أو موافقته.
وقد تلجأ الإدارة إلى التمسك بما يعرف بـ«الامتياز التنفيذي» لحجب بعض المعلومات والمراسلات، لكن ذلك مسار قانوني منفصل عن الفيتو، وتظل حدوده محل خلافات دستورية وقانونية.
كذلك لا يستطيع الرئيس تعطيل إجراءات عزله باستخدام حق النقض؛ إذ يملك مجلس النواب توجيه الاتهام بأغلبية بسيطة، بينما يتولى مجلس الشيوخ المحاكمة، وتتطلب الإدانة والعزل موافقة ثلثي الأعضاء الحاضرين.
مجلس الشيوخ يملك كلمة حاسمة في تعيينات ترامب
تمثل التعيينات الفيدرالية إحدى الأدوات المهمة التي يحتفظ بها الكونغرس، إذ يتطلب تعيين عدد من كبار المسؤولين والسفراء وقضاة المحكمة العليا موافقة مجلس الشيوخ.
وبالتالي، لا يستطيع ترامب فرض مرشح رفض المجلس المصادقة عليه، كما لا يمكنه استخدام الفيتو لتحويل رفض مجلس الشيوخ إلى موافقة، ما يجعل الأغلبية الديمقراطية قادرة على التأثير في اختيارات الإدارة للمناصب التي تتطلب تصديقاً برلمانياً.
التمويل قد يتحول إلى ساحة مواجهة وإغلاق حكومي
تبدو سلطة الكونغرس على الإنفاق من أبرز القيود التي قد تواجه ترامب؛ فالرئيس يستطيع رفض مشروع قانون للتمويل، لكنه لا يستطيع إنفاق أموال من الخزانة دون اعتماد قانوني يقره الكونغرس.
وإذا رفض ترامب حزمة تمويل، فهذا لا يعني إقرار الميزانية التي يريدها، بل قد يؤدي تعثر الاتفاق بين الطرفين إلى توقف أنشطة حكومية لا تتوافر لها اعتمادات، وهو ما يفتح الباب أمام أزمة إغلاق حكومي.
كما لا يمتلك الرئيس حق الفيتو الجزئي الذي يسمح له بإلغاء بنود محددة من مشروع قانون مع اعتماد بقية مواده؛ فقد قضت المحكمة العليا عام 1998 بعدم دستورية القانون الذي منح الرئيس هذه الصلاحية.
مواجهة 2027..الفيتو لا يحسم الصراع بين البيت الأبيض والكونغرس
تكشف حدود الفيتو أن ترامب يمتلك أداة مؤثرة لتعطيل التشريعات، لكنها لا تمنحه سلطة مطلقة على الكونغرس، الذي يستطيع تجاوز اعتراضه بأغلبية الثلثين، وفتح التحقيقات، والتحكم في الاعتمادات المالية، ومراجعة التعيينات عبر مجلس الشيوخ.
وكان ترامب قد قال إن تكرار استخدام الفيتو قد يدفع الديمقراطيين بعد عدة أشهر إلى التفاوض معه، والتوصل إلى اتفاقات بشأن القوانين المطروحة.
وبينما يستعد الديمقراطيون للتحرك في ملفات تكاليف المعيشة والحرب على إيران والتحقيقات المتعلقة بأداء الإدارة، يراهن ترامب على الفيتو والصلاحيات التنفيذية للحفاظ على أجندته السياسية، بحسب ما نشرته وسائل إعلام.
لذلك لا يبدو أن سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس ستمنحهم حرية تمرير جميع تشريعاتهم، كما أن صلاحيات الرئيس لن تتيح له تجاوز دور المؤسسة التشريعية؛ بل تفتح النتائج الباب أمام مفاوضات أكثر صعوبة، واحتمالات تعطيل متبادل قد تحدد ملامح المشهد السياسي الأمريكي خلال عام 2027.