عندما أنهى الزعيم الصيني ماو تسي تونغ، والرئيس الأمريكي آنذاك ريتشارد نيكسون، أكثر من عقدين من العداء في أوائل سبعينيات القرن العشرين، وبدآ باستعادة العلاقات، كان أحد العوامل القوية التي دفعتهما للتقارب هو وجود خصم مشترك يتمثل في الاتحاد السوفييتي.
بالنظر إلى واقعنا اليوم، نجد أن الولايات المتحدة والصين -أكبر اقتصادين في العالم- قد أمضيتا ثماني سنوات في حالة من المنافسة والمواجهة، شملت مجالات التجارة والاستثمار والتكنولوجيا، وسط مخاوف متزايدة من أنهما تسيران نحو صراع حتمي.
وبدلاً من اعتبار كل منهما الآخر خصمه الأول، يتعين على الصين والولايات المتحدة توحيد جهودهما مجدداً لمواجهة خصم مشترك وقوي آخر: صعود الذكاء الاصطناعي، وتحديداً المخاطر المتمثلة في الاستغلال الخبيث للذكاء الاصطناعي من قبل أطراف سيئة النوايا، على المدى القريب، والتهديد طويل الأمد المتمثل في خروج أنظمة الذكاء الاصطناعي المستقلة عن السيطرة البشرية، وإحداثها دماراً واسع النطاق.
لقد انفجر الجدل حول المخاطر الكارثية المحتملة للذكاء الاصطناعي علناً. ففي سبتمبر، حثّ داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك، القطاع على «إبطاء وتيرة تطوير قدرات نماذج الذكاء الاصطناعي»، وهو نداء أيّده كلٌ من سام ألتمان من «أوبن إيه آي»، وإيلون ماسك من «إكس إيه آي». وصرّح أمودي لوسائل الإعلام الأمريكية بأن وتيرة التقدم المتسارعة «مؤشر تحذيري على ضرورة التباطؤ»، وإن لم يكن مبرراً لإيقاف كل شيء. وأشار إلى قدرة الذكاء الاصطناعي المتنامية على تطوير نفسه، محذراً: «إذا تُرك من دون رادع، فقد يتجاوز قدرتنا على فهم هذه الأنظمة والتحكم فيها». لم تعُد هذه التحذيرات مجرّدة. ففي يوليو، كشفت «أوبن إيه آي» أن نظام الذكاء الاصطناعي التابع لها قد اخترق منصة «هاغينغ فيس» ذاتياً، وهو «حادث إلكتروني غير مسبوق». ثم أعلنت «أنثروبيك» أن نماذجها قد اخترقت أنظمة ثلاث منظمات خارجية خلال اختبارات أمنية.
في الصين، أقرت شركة «تينسنت» في أكتوبر/تشرين الأول بأن البرامج التي استخدمتها لتقييم نماذج الشركات الأخرى قد تصرفت بطرق لم تكن مقصودة، حيث يُزعم أنها حاولت تجاوز أنظمة الحماية من الروبوتات.
وفي خطاب ألقاه في البيت الأبيض، قال شي جين بينغ إن على الصين والولايات المتحدة إبقاء الذكاء الاصطناعي تحت سيطرة البشر. وكان باحثو شركة «أنثروبيك» أنفسهم صريحين في آرائهم. فبعد استقالة جاكوب كوكسون في سبتمبر/ أيلول، متهماً شركات الذكاء الاصطناعي ب«المقامرة بحياتنا»، صرّح إيفان هوبينجر، رئيس قسم علوم المحاذاة، بأنه يُقدّر شخصياً احتمال أن «يقضي الذكاء الاصطناعي على البشرية جمعاء»، خلال عقد من الزمن بأكثر من 10%.
وفي هذا السياق، تُعد نوايا وأفعال الصين والولايات المتحدة، القوتين العظميين في مجال الذكاء الاصطناعي، حاسمة للحفاظ على سيطرة البشرية.
ومن المشجع أن الرئيس شي جين بينغ، ونظيره الأمريكي دونالد ترامب، قد شرعا في بدء حوار حول الذكاء الاصطناعي، إلا أن انعدام الثقة المتبادل، والرغبة في الريادة في هذه التقنية الرائدة، يجعلان تحويل الأقوال إلى أفعال أمراً صعبًا. وقد صرّح جيك سوليفان، مستشار الأمن القومي للرئيس الأمريكي السابق جو بايدن، في منتدى بجامعة هارفارد في أكتوبر/ تشرين الأول، بأن أهم شيء قد يكون تجنب «سباق نحو الهاوية» يركز فيه كل طرف على التفوق على الآخر، ويتجاهل الأمن.
إصرار صيني لا يقبل المناقشة
إضافة إلى سعي واشنطن للهيمنة على الذكاء الاصطناعي، يُعتقد على نطاق واسع أنه حتى لو أبطأت الولايات المتحدة وتيرة تقدمها، فإن الصين لن تفعل، ما سيكلف أمريكا تفوّقها. في غضون ذلك، رفضت بكين الدعوات إلى التباطؤ، معتبرة إياها جزءاً من فخ أمريكي لعرقلة تطوير الذكاء الاصطناعي في الصين.
هذا التفوق ضئيل. وتشير التقديرات الحديثة إلى أن تقدم أمريكا في النماذج الرائدة يتراوح بين ستة وثمانية أشهر تقريباً، بينما يُعتقد أن الصين تتقدم في تبنّي الذكاء الاصطناعي.
ويبدو القادة الصينيون أكثر تقبلاً، على الأقل علناً. ففي حفل استقبال البيت الأبيض في سبتمبر، قال شي جين بينغ إن كلا البلدين من الدول الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي، ولديه القدرة والموارد اللازمة تحمل مسؤولية إدارته على النحو الأمثل، مع ضمان بقاء تطويره «خاضعاً للسيطرة البشرية دائماً».
وفي 23 أكتوبر، صرّح وزير الخارجية الصيني «وانغ يي» لزوار أمريكيين بأن كلا البلدين يمتلك القدرة والمسؤولية للعمل معاً على تطوير الذكاء الاصطناعي وإدارته، بما يضمن بقاء تطوره تحت السيطرة البشرية. وقال «وانغ»: «لا ينبغي لنا الاكتفاء بالحذر من المخاطر فحسب، بل يجب أيضاً الانخراط في تعاون مشترك لمناقشة قواعد ومعايير قابلة للتطبيق عالمياً، بحيث يسهم الذكاء الاصطناعي في تعزيز الرخاء المشترك وحماية الأمن الجماعي».
استثمارات صينية هائلة للحاق بالركب
وعلى الرغم من أن التصريحات الرسمية الصادرة عن بكين تبدو أكثر ميلاً للتعاون، إلا أن استثماراتها الضخمة -المدعومة من الدولة- في مجالي الذكاء الاصطناعي والأتمتة، تُظهر أنها -تماماً كالولايات المتحدة- عازمة على ألا تتخلف عن الركب.
وعلى الرغم من هذا الخطاب، لا يبدو أن أياً من الطرفين في عجلة من أمره لمناقشة وضع ضوابط وقائية، فضلاً عن السعي المشترك لإرساء قواعد ومعايير عالمية. ووفقاً لمصدر رفيع المستوى مشارك في محادثات غير رسمية حول أمن الذكاء الاصطناعي، فقد تمحورت المناقشات بشكل أساسي حول تبادل الخبراء للأسئلة، في محاولة لمعرفة من يتقدم على الآخر، أو يتأخر عنه في مجالات معينة.