لا تعني خسارة الجمهوريين السيطرة على الكونغرس الأمريكي، ولا تعثر بنيامين نتنياهو في تشكيل ائتلاف حاكم بعد الانتخابات الإسرائيلية، أن المنطقة باتت أقرب إلى السلام، فالتغيرات السياسية في واشنطن وتل أبيب تعيد ترتيب الحسابات، لكنها لا تلغي أدوات القوة ولا تبدد أسباب الصدام، وبينما قد ترى طهران في هذه النتائج انحساراً للضغوط عليها، تكمن المخاطرة في أن تتحول النشوة السياسية إلى قراءة متعجلة لموازين الردع، فتُفتح نافذة لسوء التقدير.
لقد منح اقتراع الثالث من نوفمبر/ تشرين الثاني الديمقراطيين السيطرة على مجلسي الكونغرس، في ضربة سياسية لإدارة دونالد ترامب، تضع أجندته أمام رقابة ومواجهة تشريعية، غير أن نتائج الصناديق لا تلغي موقع الرئيس قائداً أعلى للقوات المسلحة، ولا تمنعه من اتخاذ قرار بالتصعيد، وقد يحد الكونغرس من هامش حركته عبر التمويل والمساءلة والضغط السياسي، لكنه لا يشكل وحده ضمانة لاحتواء مواجهة خارجية، فالضغوط الداخلية قد تدفع بعض القادة إلى التشدد خارجياً، أملاً في استعادة المبادرة أو ترميم صورة سياسية متراجعة.
وفي إسرائيل، لم تمنح انتخابات السابع والعشرين من أكتوبر/ تشرين الأول أياً من المعسكرين أغلبية واضحة، فقد حصد تكتل نتنياهو 53 مقعداً، مقابل 48 لمعسكر غادي أيزنكوت، فيما توزعت المقاعد المتبقية على القوائم العربية، وهذا الانسداد يضع تشكيل الحكومة أمام مفاوضات معقدة، لكنه لا يعني بالضرورة تحولاً فورياً في العقيدة الأمنية الإسرائيلية أو انكفاء تل أبيب عن خياراتها العسكرية، فالفارق بين تبدل الائتلاف وتبدل الحسابات الاستراتيجية أوسع مما توحي به العناوين الانتخابية.
أما طهران، فتبدو أمام اختبار، فقد أرسلت عبر قطر مقترحاً نووياً إلى واشنطن، لكنها ربطت بحثه بتنفيذ مطالب تشمل رفع العقوبات والإفراج عن الأصول المجمدة وتعويضات الحرب، فيما تتمسك الولايات المتحدة بإدراج الملف النووي في أي مفاوضات أولية، ولا يكمن الاختبار في تبادل المقترحات، بل في قدرة الطرفين على التعامل معها بوصفها مدخلاً للتسوية لا فرصة لفرض شروط قصوى. كما أن ربط فتح مضيق هرمز بتحقيق المطالب يضيف إلى التفاوض ورقة ضغط تمس أمن الطاقة والتجارة الدولية.
هنا تحديداً تكمن المفارقة.. قد يخرج ترامب ونتنياهو من الاستحقاقين أضعف سياسياً، لكن أدوات التصعيد لا تختفي بخسارة انتخابية أو مأزق ائتلافي، وفي المقابل، قد تخطئ إيران حين تفسر تراجع خصومها على أنه عجز عن الرد، مثلما قد يخطئ خصومها إذا اعتقدوا أن استعادة الردع لا تتحقق إلا بالقوة، فالحروب لا تبدأ بقرار معلن، بل كثيراً ما تتسلل عبر تقدير خاطئ لنوايا الطرف الآخر وحدود احتماله.
ليس المطلوب أن يقرأ أي طرف نتائج الانتخابات بوصفها انتصاراً أو هزيمة نهائية، بل أن يدرك أنها تبدّل في البيئة السياسية لا تفويضاً مفتوحاً للمغامرة، وبين صناديق الاقتراع وممرات التفاوض، تظل الحكمة في اغتنام ضيق الخيارات لفتح باب التسوية، لا في اختبارها حتى ينفجر ما تبقى من هوامش الاحتواء.
