قصة هذه المرأة غاية في الإعجاز وفي الدلالة حيث جعلها القرآن الكريم مثلاً ومثالاً للعالمين في كل شيء . . في صدق الإيمان . . . في المسؤولية الاجتماعية . . والمسؤولية الفردية . . في العلاقات الاجتماعية . . في فن الاختلاط والمخالطة بين البشر في المستويات المختلفة من العلاقات بمقياس القرب والبعد أو بمقياس الأهمية والمكانة أو بمعيار الثواب والعقاب . . في الدنيا والآخرة .

إننا أمام واحد من أهم وأعظم الأمثلة في القرآن الكريم . . من بين أكثر من 43 مثلاً ضربها للناس في آياته البينات لتكون هدى ونبراساً للعالمين .

إنها آسية بنت مزاحم امرأة فرعون التي خلدها الله تعالى في كتابه العزيز فقد ذكرها القرآن الكريم ذكراً حميداً وشرفها وأعلى قدرها في معرض المقارنة بين النساء المؤمنات الفضليات المتوجهات بعقولهن وقلوبهن وأرواحهن إلى الله عز وجل وبين الضالات الكافرات الخائنات وذلك في قول الله عز وجل في سورة التحريم: ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئاً وقيل ادخلا النار مع الداخلين . وضرب الله مثلاً للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتاً في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين . ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين . (10 - 12) .

وإذا كان القرآن الكريم قد ذكرها بصفتها إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد ذكرها بالاسم وزكاها في الحديث النبوي الشريف: خير نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران . وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد رسول الله (رواه مسلم وأحمد عن أنس بن مالك رضي الله عنه) .

موسى وفرعون

اسمها آسية بنت مزاحم بن عبيد الديان بن الوليد زوجة فرعون موسى وهي من خيار النساء المعدودات، ثانية اثنتين ضرب الله بهما مثلاً للذين آمنوا لتكونا قدوة للمؤمنين على مدى التاريخ الإنساني وهي كذلك من أكمل النساء وقد كان فرعون مستهاماً بحبها، طيعاً لها، برغم أنه لم يرزق منها الولد . وهي المرأة التي يرتبط اسمها بقصة موسى عليه السلام وفرعون . . ومفادها أن فرعون في إحدى الليالي رأى مناماً هاله وأقض مضجعه، فأحضر الكهنة والمفسرين من أرباب دولته، وقص عليهم رؤياه فحذروه من مولود يولد في ذاك العام يكون سبباً في خراب ملكه؛ فأمر بقتل كل غلام يولد في ذاك العام من بني إسرائيل . . وعلى الفور تطل قصة آسية وإنقاذ موسى الرضيع .

ومما ذكره ابن كثير في البداية والنهاية: (إن الجواري التقطنه من البحر في تابوت مغلق عليه فلم يتجاسرن على فتحه حتى وضعنه بين يدي امرأة فرعون آسية، فلما فتحت الباب وكشفت الحجاب رأت وجهه يتلألأ بالأنوار النبوية فلما رأته ووقع نظرها عليه أحبته حباً شديداً واستوهبته السيدة المؤمنة منه ودافعت عنه وقالت: قرة عين لي ولك) .

ثم تمر السنون ويأتي يوم ويضعه فرعون في حجره يلاعبه ويجذب موسى لحية فرعون بقوة فيشتاط غضبا ويأمر بقتله، فتسرع آسية وتذكره بأنه طفل صغير، وتقترح عليه اختبار فهمه وعقله فيضع أمام موسى الجمر والتمر، فامتدت يدا الطفل الصغير نحو التمر، إلا أن الله تعالى يرسل جبريل فيضرب يده فتقع على الجمر ويضعها في فمه الصغير فيحترق طرف لسانه فيصبح من بعدها ألثغَ .

بيت في الجنة

ومثلما كانت آسية سبباً في نجاة موسى (عليه السلام) من الذبح، فقد كان هو الآخر سبب نجاتها من الهلاك بأن هداها للإيمان ففتحت قلبها لدعوته، وأعرضت عن تهديدات فرعون وغطرسته، وناصرت موسى (عليه السلام) على عدو الله وعدوه وعدوها، فكانت مع الذين آمنوا وأسلموا بما أنزل على موسى من نبوة، فعلم فرعون بإيمانها واتباعها لموسى فسجنها وأمر بإنزال أشد أصناف التعذيب بها لترجع عن دين موسى . . لكنها ظلت على حالتها تلك إلى أن قتل فرعون الماشطة امرأة حزقيل المؤمن بالله، وكانت آسية تنظر من كوة في قصر فرعون تتابع في حسرة ما لحق بأختها المؤمنة، وكيف تعذب وتقتل وهي صابرة متمسكة بإيمانها بربها، وبينما هي كذلك إذ دخل عليها فرعون وجعل يخبرها في شماتة وزهو بخبر امرأة حزقيل وما صنع بها وكيف عذبها وكيف قتلها .

ولكن آسية لم تكترث . . فدعا فرعون أمها وقال لها: ابنتك قد أخذها الجنون الذي أخذ الماشطة، ثم إنه أقسم لتذوقن الموت أو لتكفرن بإله موسى، فخلت بها أمها وألحت عليها في موافقة فرعون فيما أراد فأبت أن تكفر بعد إيمانها، فقد أدركت أن الدنيا مهما طال نعيمها إلى زوال، فما كان منها إلا أن استعصمت بالله تعالى، وتأكد فرعون من صدقها وعزمها وأنها لن تعود إليه، فأمر بها فمدت بين أربعة أوتاد، ثم ما زالت تعذب حتى ماتت ولسانها لا يفتر عن ذكر الله . . (رب ابن لي عندك بيتاً في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين) .

آمنت آسية بربها وعصت زوجها وخالفت أمها فلم تتراجع عن إيمانها بالله الواحد الأحد، ولم يتورع فرعون الذي أحبها وهام بها عن قتلها، فقد وصلت وإياه إلى المفاضلة بين الحياة ونعيمها الزائل، أو الموت والعذاب في سبيل ما عرفت من الحق، فاختارت الأخرى راضية غير يائسة ولا قانطة من رحمة الله .

ومما يروى أن فرعون سأل الناس عن رأيهم في مولاتهم آسية فأثنوا عليها كثيراً ووصفوها بأنها لا مثيل لها في هذا العالم الواسع، وما أن أخبرهم بأنها اتبعت دين موسى عليه السلام حتى طلبوا منه أن يقتلها فما كان عقابها من الفرعون إلا أن ربط يديها ورجليها بأربعة أوتاد وألقاها تحت أشعة الشمس الحارقة ووضعوا صخرة كبيرة على ظهرها .