اليوم تحل الذكرى السادسة عشرة لرحيل تريم عمران تريم، الذي فارقنا إلى الدار الآخرة مثواه، يوم 16 مايو «أيار» عام 2002 في لندن، تاركاً فراغاً لا يزال شاغراً دونه، وحزناً ومرارة سيبقى الكل يستشعرها للأبد عليه، وإن بقي حاضراً في الأذهان، متجذراً في الذاكرة، ونابضاً في القلوب بكلماته، وتواضعه، وإنسانيته، وتحضره وثقافته، حيث من الشخصيات من لا يرحل وجدانياً، من العقول والنفوس، وإن غاب جسداً، وغادر الحياة الدنيا، إلى سماوات الرحمن، ليستظل برحمته، وينال مغفرته، ويحظى بجنته.
تريم عمران فارس الكلمة، والإنسانية، والكيان الذي كان مضيئاً بالحياة، ورغم فعل «كان» الدال على الماضي، فالراحل الكبير سيبقى دوماً مضارعاً حاضراً ولن يصبح يوماً ذكرى، فأعماله، وتوجيهاته، تحيي غيابه، ووده، وتفانيه في خدمة الجميع، وإخلاصه لمجتمعه وأبنائه، تؤكد بقاءه، ويظل خلقه الطيب دالاً عليه للأبد، فضلاً عما كان عليه من طيب أصل، وأصالة، وجود، وكرم، وترفع، واهتمام بالصالح العام، ومسارعة في الخير، ومساندة، ووقفات لن تنسى.
حين الترحم على رجل حفر اسمه في الوجدان، وبالنظر في سيرته ومسيرته نجد أنه ولد عام 1942 في مدينة الشارقة، والتحق بالمدرسة القاسمية الابتدائية، ومنها إلى مدرسة إعدادية في الشارقة، ليذهب مع شقيقه الراحل الكبير د. عبد الله عمران إلى الكويت ليدرسا في ثانوية الشويخ، وليعودا ثانية إلى الشارقة ويدرسا في مدرسة القاسمية الثانوية، التي كانت مركزاً حضارياً واجتماعياً في خمسينات القرن الماضي، ومن ثم التحق تريم رحمه الله بكلية الآداب جامعة القاهرة في أوائل عقد الستينات، بينما لم تقتصر رؤيته للقاهرة على كونها مكاناً لتلقي العلم، بل تعامل معها باعتبارها صاحبة مشروع حضاري، تنويري، عروبي، دشنه الزعيم الراحل جمال عبد الناصر مع بداية ثورة يوليو.
وحفلت فترة دراسة تريم في القاهرة بحراكه الأدبي، والثقافي، والسياسي، من خلال مشاركاته الفاعلة، سواء في المنتديات الفكرية والسياسية التي كانت تتفاعل بها الحياة في أرض الكنانة، أو في النشاط الثقافي والاجتماعي في الجامعة، الذي من خلاله كان يقوم بتعريف المجتمع الطلابي المصري بمنطقة الخليج، فضلاً عن ترؤسه لاتحاد طلبة عُمان الذي يضم في عضويته معظم طلبة دول الخليج العربي، وأيضاً انحاز مع غيره من الطلبة إلى التيار القومي، وكان يرى الزعيم عبد الناصر صاحب مشروع وحدوي، وتحرري واستقلالي، يصلح لمنطقة الخليج تحديداً، وللوطن العربي ككل، وساهم ذلك في تأثر تريم بالرؤى الناصرية التي كانت تنادي بالاستقلال والوحدة.
مولد الخليج
وفي عام 1968عقب عودة تريم عمران من القاهرة، شارك مع شقيقه الراحل الكبير د. عبد الله عمران ضمن الوفد الرسمي لإمارة الشارقة في المفاوضات التي سبقت الاتحاد السباعي للدولة، واتجه تفكيرهما إلى العمل الصحفي، وتبلور في إصدار مجلة الشروق، وهى أول مجلة سياسية شهرية تتصدى للمستجدات، والتحديات بالرسالة الوطنية والقومية ذاتها، وحملت حساً وطنياً عروبياً في المعالجة الصحفية، وتعاون في إصدارها الأول عدد من الصحفيين العرب في الكويت، وكانت المادة الصحفية تكتب في الشارقة، وفي الأسبوع الأخير من كل شهر، يحملها تريم عمران ويوسف الحسن إلى الكويت، ويعودان بها مجلة مطبوعة.
وركزت المجلة منذ عددها الأول على الأخبار العربية، والتعليقات على الأحداث العربية، وقد كتب تريم مقالاً عام 1971 قبل شهور من إعلان دولة الاتحاد في الإمارات إلى ما سماه وقتها (النادي الخليجي المتكافئ) جاء فيه: ورغم كل شيء، فإننا نؤمن أن الوحدة الكبرى، هي المصير وهي الملتقى، لا على المستوى الخليجي فقط، ولكن على مستوى الأمة العربية العظيمة التي تمزقت، ولذلك فإننا نكون منطقيين مع أنفسنا، ومع الواقع الموجود، إذا عملنا لاتحاد آخر يلائم الأوضاع الجديدة، وهنا يبدو الاتحاد السباعي، هو الضرورة الحتمية، والخطوة الواجب اتخاذها بلا إبطاء.
ثم فكر الشقيقان في إصدار «الخليج»، وتغلبا بالتصميم على صعوبة الأمر الذي لم يكن سهلاً، في ضوء مشكلات عدة كانت قائمة، أهمها أن الشقيقين تريم وعبدالله عمران، ورفيقهما يوسف الحسن، لم يكونوا أثرياء ليستطيعوا تكبد خسائر مادية، أو تكلفة إصدار مطبوعة صحفية، كما لم يكن في الشارقة والإمارات المتصالحة مطابع مؤهلة، فقرروا التوجه إلى الكويت، واختاروا ناشراً يؤمن مثلهم بالأفكار القومية العروبية هو (فجحان هلال المطيري)، وفي يوم الاثنين التاسع عشر من شهر أكتوبر/ تشرين الأول عام 1970 أبصرت الخليج النور، ورأت طريقها إلى أرض الواقع.
حروب مهنية
ومنذ يومها الأول خاضت «الخليج» حروباً مهنية وسياسية عدة، سواء مع أصحاب الصحف في الكويت الذين رأوا فيها منافساً فطالبوا الحكومة الكويتية بوقف إصدارها في بلدهم، أو مع وكلاء شاه إيران في المنطقة، فضلاً عن تعرضها لضغوط عنيفة بسبب إصرارها على عروبة الخليج والجزر الإماراتية، حيث حملوا الخليج عنواناً رئيسياً لأكثر من مرة، وهو (لا تفريط في الجزر، لا استثمار، لا مشاركة، لا تنازل) وهي اللاءات الثلاث التي أزعجت الشاه، وحاول على إثرها إغراء أصحاب الخليج بالمال، في ضوء علمه بالمصاعب المادية التي يواجهونها بسبب تكلفة الإصدار في الكويت، وشحن الجريدة بالطائرة يومياً إلا أنهم رفضوا العرض.
وأيضا لم ترض جرأة «الخليج» المعتمد البريطاني في الإمارات المتصالحة، الذي حاول مراراً إغلاق الجريدة، لانزعاجه من خطاب الخليج القومي، الذي يتعدى الشارقة إلى جميع الإمارات في الاتحاد والخليج، ومع كل الضغوطات التي واجهت الشقيقين ورفيقهما الحسن، وبسبب التكلفة الاقتصادية المرتفعة لإصدار «الشروق» و«الخليج» معاً من الكويت، وبسبب إصرار تريم وشقيقه عبد الله عمران، على ضرورة الاستقلال التام بمشروعهما الصحفي عن شبهات التمويل غير المعروف، ولصعوبة الاستمرار في ظل الضغوط السياسية العنيفة، توقفت الشروق والخليج، ولمدة 10 سنوات عند نقطة مفصلية هي بداية دولة الاتحاد، لتعود للصدور في عام 1980، واهتمت بتبني قضايا من الأهمية بمكان في المنطقة العربية، وعلى رأسها قضية فلسطين، دون إهمال شؤون الخليج، وسجلت لنفسها وإلى الآن مكانة راسخة، مع وضوح في التوجه، وحرص على أمانة الكلمة، إلى جانب رسالتها الهادفة، كما أرادها تريم وشقيقه عبدالله عمران، حيث اعتمدت منهجاً أساسياً يتركز في طرح الحقيقة من دون مبالغة، ودونما التخلي عن الثوابت، فيما تفرغ تريم للعمل الصحفي منذ ذاك الحين إلى أن توفاه الله عام 2002.
محطة رئيسية
من المحطات الرئيسية في مسيرة الراحل تريم عمران توليه عام 1972 الحقيبة الدبلوماسية كسفير للدولة في جمهورية مصر العربية، وأسس أول سفارة فيها، كما كان أول مندوب لها في جامعة الدول العربية حتى عام 1976، رافعاً علم الدولة الاتحادية الوليدة بين أعلام الدول العربية، وبدأ ومعه مجموعة صغيرة من الدبلوماسيين الإماراتيين مسيرة عمل جديدة تمزج بين المبادئ، والمثل، والواقع العربي، ولم يكن العمل السياسي بغريب على تريم، حيث مارسه مع شقيقه منذ كان طالباً في المرحلة الابتدائية، إذ كانا يقودان التظاهرات الطلابية، ضد مطامع شاه إيران في المنطقة، وكانا من أبرز الطلاب الخليجيين الداعين إلى النضال من أجل الإصلاح السياسي، وترسيخ مبادئ الديمقراطية في المنطقة والوطن العربي، لاسيما عندما كان في ثانوية الشويخ في الكويت، فيما لم يتوقف نضاله عند هذه المرحلة، بل امتدت مواصلته له عندما كان طالباً أيضاً في جامعة القاهرة.
وكان تريم دبلوماسياً بارزاً، وخير سفير لبلده في المحافل الدبلوماسية، بل ومن أبرز السياسيين الإماراتيين، وكان ناصرياً، يحب الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، ويعتبره رمزاً خالداً للأمة العربية، وللشعوب التي تكافح من أجل حياة أفضل، وظل مقاوماً للتيار المناوئ للناصرية طوال حياته، ونال تريم «رحمه الله» محبة كل من عرفه من الدبلوماسيين العرب، وكانت له صداقات معهم، وكان بيته مفتوحاً للأدباء والمفكرين، والصحفيين المصريين والعرب، فضلاً عن مشاركته في صياغة عدد من القرارات التي صدرت في تلك الفترة عن جامعة الدول العربية، والتي حملت توجهات مباشرة نحو عمل مشترك فاعل، وكان يتم انتدابه لحضور بعض جلسات الجمعية العامة للأمم المتحدة.، ووفقاً لأصدقائه كان من الدبلوماسيين الذين يتركون بصماتهم في كل مقترح، أو توصية، أو قرار يسهم في العمل العربي المشترك، أو يدعم التضامن العربي، أو يعزز من تقوية العلاقات العربية في إطار الجامعة، وعن رفيق دربه د. يوسف الحسن قال: تعلمنا معاً كيف نثبت أن الدبلوماسي العربي له جذور وتراث في الدبلوماسية، وسرنا معاً المشوار بصدق وأداء مميز، نجتهد لرفع شأن الإمارات، وتقديم صورة حقيقية عن الطموحات والآمال، وكان تريم صلباً وشجاعاً في مواجهة الإحباطات، ومحباً وعاشقاً لأمته وبلده، وكان قد طار فرحاً عندما اجتاز الجيش المصري خط بارليف وعبر القناة، وأمر حينها بتسخير إمكانات السفارة كافة أمام الصحافة الأجنبية لتغطية أنباء معركة رمضان المجيدة عام 1973.
الأمن الداخلي
ومما ورد في المذكرة بالنسبة للأمن الداخلي: إن مفهوم الأمن الداخلي لا يتمثل في أمن الفرد وحده، بل وأمن الدولة كذلك، وهو الأخطر والأهم، والأمن كلُّ لا يتجزأ، ولا يجوز له أن يتجزأ، فالتجزئة تولد عدم الترابط وتخلق الثغرات التي يتسلل منها الخلل والاضطراب، ولذلك فإن تجزئة الأمن هي في ذاتها تهديد للأمن، وتبعات الأمن في الظروف العادية هي تبعات جسيمة، وهي في ظروف بلادنا أشد جسامة، بسبب الكثافة البشرية التي تستوردها البلاد، من مستويات متنوعة، وجنسيات متعددة، وهذه العمالة المستوردة، تحمل بين طياتها نذر الخطر، لما يمكن أن يندس بينها من عناصر، وتلقي على الدولة ثقلاً أمنياً إضافياً، لا يجوز تجاهل خطورته، وإن الدول النامية خاصة ذات الموقع الاستراتيجي والغنية بالثروات الطبيعية تكون هدفاً للأطماع، وعرضة لتياراتها المناوئة، التي تستغل فرصة انشغال الدولة في بناء نهضتها، لبث سمومها، ونشر عقائدها، وتتربص بالفرصة المناسبة للنيل من الدولة، وإن اليقظة لمثل هذه التيارات التي تتسرب عادة في الخفاء، أو تتستر وراء شعارات زائفة، هي من أهم مهمات أجهزة الأمن الداخلي التي يقع عليها عبء الكشف عن هذه الأنشطة، وضبطها والقضاء عليها في مهدها.
الثروة الوطنية
وفيما يتعلق بتوحيد الدخل والمحافظة على الثروة الوطنية، ورد في المذكرة: إن الدولة لا تملك الموارد الذاتية التي تعتمد عليها في بناء قوتها ونهضتها، ولم يعد مقبولاً، أن تعتمد الدولة في تدبير مواردها على ما قد تجود به إمارة، أو لا تجود به الأخرى، كذلك فإن مسؤولية الدولة عن كل إقليمها، تقتضي إقامة التكافؤ والتوازن بين كل الأقاليم، ولا يستقيم مع مبدأ التكافؤ أن ينضح أحدها بالثروة، بينما يشكو الآخر من عدمها، الأمر الذي ينعكس بآثاره في اختلاف قدرات كل منها على تحقيق النهضة، وفي اختلاف الفرص الاقتصادية والاجتماعية المتاحة لمواطنيه.
إن اندماج الإمارات في الدولة الواحدة، وارتباطها بهذه الدولة الأم، يتنافر سياسياً واقتصادياً مع استئثار كل منها بمواردها، لما يجره ذلك من تناقضات عميقة داخل الدولة، وعدم توازن اقتصادي، بسبب عدم قدرة إحدى الإمارات على استيعاب فوائض إيراداتها، وعدم قدرة الأخرى على تدبير الحد الأدنى لإيراداتها، ووقوف الدولة الأم بين الاثنتين عديمة الموارد، تنتظر المساهمات، وتلح في المطالبات، وتتعثر في إصدار ميزانيتها، لحين تدبير الموارد اللازمة لبناء قوتها وتنميتها.
إن هذا الخلل في التوازن الموردي داخل الدولة، وهذه التناقضات الإيرادية، تستوجب توحيد موارد الإيرادات في الإمارات، ودمجها في ميزانية واحدة، هي ميزانية الدولة، للإنفاق منها على احتياجات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتحقيق نهضة متكاملة ومتوازنة في كل الإمارات.
بناء المواطن
وعن بناء المواطن جاء فيها: إن رفعة الأوطان وبناء مجدها، لا يقوم إلا على أكتاف أبنائها، وبقدر تهيئة المواطن، يكون إسهامه مثمراً، وعطاؤه لبلده بغير حدود، وفي هذه المرحلة التاريخية التي نشق فيها طريق البناء والتقدم، ينبغي أن تكون التنمية البشرية وبناء المواطن، هدفاً لكل إصلاح، وغاية لكل جهد أو استثمار، فإن أفضل استثمار هو في صنع الرجال، وخلق الأجيال القادرة على تحمل المسؤولية، وقيادة العمل الوطني في البلاد، وبناء المواطن يكون فكرياً واقتصادياً وسياسياً، أما البناء الفكري، فإن الدولة لم تدخر وسعاً في نشر التعليم، وفتح أبوابه على مصراعيه حتى التعليم الجامعي، ولم تقف الدولة برسالتها التعليمية عند حد تعليم النشء، بل امتد نشاطها إلى الكبار الذين فاتهم في الصغر قطار التعليم، فهيأت لهم الدولة فرص اللحاق بركب العلم.
إن رفع المستوى الاقتصادي والاجتماعي، وتوفير الخير والرخاء في المجتمع وبين جميع أفراده، يقتضي انتهاج سياسة تستهدف توفير مصادر دخل مناسب، تتولى الدولة تهيئتها لهؤلاء المواطنين، لرفع مستوى معيشتهم، إلى جانب إيجاد فرص العمل المناسبة للقادرين منهم على العمل ليصبحوا قوى منتجة تخدم المجتمع وتسهم في تقدمه.
إن العدالة الاقتصادية والاجتماعية دعامة أساسية من دعامات الاستقرار الداخلي، فهي تحصن الشعب، وتكسبه مناعة ضد كل تيارات التغرير به. وليس بالخبز وحده يحيا الشعب، فالشعب هو دعامة الوطن وحاميه، وهو القاعدة العريضة العاملة على استقراره وتقدمه، ولذلك فإنه يجب بناؤه كذلك بناء ديمقراطياً، يعتمد على توفير الحريات، وإفساح مجالات الرأي والفكر، وتدريبه على المشاركة السياسية في شؤون بلاده، في إطار ديمقراطي سليم، ينبع من مبادئ ديننا الحنيف، الذي جعل أمرنا شورى بيننا.
المجلس الوطني وتوطيد أركان الاتحاد
في 1 مارس/ آذار عام 1977 تولى تريم عمران رئاسة المجلس الوطني الاتحادي لفصلين تشريعيين، وسع فيهما صلاحيات المجلس، وكان حريصاً على التقيد بلوائحه، ومؤمناً بحق المواطنين في المشاركة السياسية، وكانت الجلسات تعقد من دون حضور ممثلي الحكومة، إلى أن صدرت توجيهات عليا بأن يشارك الوزراء في الجلسات.
وكان موضوع المذكرة المشتركة، من أهم ما تم طرحه في فترة رئاسة تريم عمران للمجلس، حيث عقد لها مع مجلس الوزراء جلستين مشتركتين عام 1979 وكان مطلب توطيد أركان الاتحاد على رأس توصيات المذكرة.
لخصت المذكرة المشتركة قضايا الوطن في تلك المرحلة، ومنها الإجراءات التي تعزز وحدة الإمارات، حيث حملت عناوين تصب كلها في هذا الإطار: توحيد القوات المسلحة، والأمن الداخلي، ووزارة الداخلية، والهجرة والجنسية، والدخل والثروة الوطنية، والاقتصاد الوطني، وبناء الوطن والمواطن، والتخطيط، وتوحيد القضاء والقوانين الاتحادية واحترامها، وتقوية المؤسسات الاتحادية، والدستور المؤقت، والمشاركة الشعبية، فيما كانت قضية الديمقراطية والتمثيل الشعبي، حصن الأمان للمواطن الإماراتي والعربي في كل مكان.
من كتاباته الوطنية والسياسية
بعد قيام الاتحاد كتب تريم عمران: بعد الاتحاد سيكون العمل ليس عمل حكام أو أجهزة، سيكون عمل شعوب، عليها أن تبني وتنمي هذا الأمل، عليها أن تدافع عنه وتحميه، فإعلان الاتحاد يبدو سهلاً، ولكن المحافظة عليه هي الصعبة، فلنتسلح جميعاً بالوعي، والإيمان، والإصرار، حتى نحافظ على استمرار هذه البذرة الطيبة، ونؤمن لها المناخ الصالح للنمو، وفي موقع آخر من المقالة ذاتها كتب: الاتحاد الذي قدر له أن يولد سداسياً، لن يستمر كذلك، فلابد أن يتحول إلى سباعي، وتساعي، حتى آخر الشوط العربي.
وفي استشرافه لمستقبل الواقع العربي من خلافات وأزمات سيواجهها قال: أحرار يعني أننا قد نختلف، وقد نتناقش، وأننا نؤمن بحق الآخرين في التفكير والنقاش بكل حرية، ولكننا في النهاية نلتزم بالرأي الصحيح والملائم لأوضاعنا، وأن حل كل خلافاتنا الفكرية سيكون حلاً عقلانياً، من دون لجوء إلى تدمير ما نبني من كيان، أو ما ورثناه من علاقات، إننا في النهاية إخوة في العروبة، وإخوة في المواطنة، وإخوة في مواجهة الخطر، وأن النقاش والحرية يعنيان تصفية الجبهة الداخلية، وبلورتها في كتلة شديدة الصفاء، شديدة الصلابة، قادرة على مواجهة المخاطر والتحديات، فبغير جبهة داخلية صلبة أساسها المواطن المشارك المقتنع الحر، سنحرث البحر من دون جدوى، مضيفاً في قول آخر: إننا الآن أمة أمام مسؤولية بقاء شامل، أو فناء أبدي، وهذا الوضع يستدعي استنفاد كل الطاقات في جميع المجالات، وتأجيل كل الصراعات إن لم يكن ممكناً وأدها، لإقامة القوة العربية الواحدة، والصناعة العربية الواحدة، والقاعدة التي تغري الآلاف من العبقريات العربية نحن نطردها، وغيرنا يتبناها فإن رفضت فهو يغتالها.
حول إيمانه بالعروبية قال: كياننا يعتمد أولاً على أننا عرب، وثانياً على أننا أحرار، وكوننا عرباً يعني أننا مصرون على المحافظة على الكيان العروبي مالكاً لمصيره بلا مهانة، وبقاء القبيلة العربية كإطار يحمي التكتل العربي مرحلياً في مواجهة الأخطار المحدقة به، على أن يطور هذا الإطار بإدخال الجانب العلمي من الحضارة المعاصرة لرفع مفاهيم الإنسان، وتوعيته بمتطلبات عالم اليوم.
وبالنسبة للقضية الفلسطينية قال: فلسطين ما كانت يوماً قضية مشاريع ومشاريع مضادة، وثورتها لم تعط كل هذا العطاء المهول من أجل دولة، فلسطين هي أن يكون هناك عرب أو لا يكون، أن تقال كلمة لا إله إلا الله، وتقام صلاة، أو تتكرر فينا شناعات الأندلس على غرار ما حدث في دير ياسين وقبيه، فيما قال عن الواقع العربي: الجماهير العربية تبدو منفية ومغتربة في أرضها، بسبب حرمانها أبسط حقوق الإنسان في المشاركة، والتعبير بمختلف أشكاله، وهي لن تعود من منفاها إلا من الباب الوحيد، الحرية، ولها مفهوم واحد وهو الديمقراطية، والمشاركة، والانتخابات الحرة، والمجالس التمثيلية الصحية، والصحيحة، فلا قيمة مثل قيمة الحرية التي تصلح أساساً لأي انتماء وطني أو قومي.
قالوا عن الراحل
ترك الراحل تريم عمران «رحمه الله» بصمات لن تمحى من ذاكرة كل من عرفوه عن كثب، وعايشوه، وأيضاً كل من تأثروا به، أو تعلموا منه، وعنه قال البعض الآتي:
سالم حمد الشامسي:
كان تريم عمران «رحمه الله» صريحاً، جريئاً، شجاعاً لا يخاف في قول الحق لومة لائم، وكان عهده في رئاسة المجلس الوطني من العهود الذهبية البارزة في تاريخ المجلس، حين رسم المجلس برئاسته مع الحكومة خريطة للطريق واضحة المعالم، وكان همه الأسمى وطنه وعروبته، وهاجسه الأوحد سيادته، ووحدته وعزته ومجده، لذا ستبقى له في قلوبنا منزلة رفيعة ضاربة الجذور راسخة الأوتاد.
وكان «رحمه الله» رئيساً متميزاً للمجلس الوطني الاتحادي، وكنت أميناً عاماً للمجلس أتعامل معه عن كثب، وأتعرف إلى فكره وسجاياه، كان شاغله الأكبر، وهاجسه الأعظم الوطن، العرب في كل مكان من المحيط إلى الخليج، وسيادة الوطن وعزة العرب، وتقدم الوطن، ورفع راية العروبة.
د. سليمان الجاسم:
تريم عمران، رحمه الله، ذلك الفارس الذي ترجل عن جواده في مثل هذا اليوم، كان بمنزلة واحة وطنية، وثقافية، وقومية، ويمثل البعد الإنساني في معظم عطاءاته، سواء عندما كان في المجلس الوطني الاتحادي، أو في دار الخليج، أو في المحافل المختلفة سواء على المستويات المحلية، أو الإقليمية والعربية، كما كان، رحمه الله، يعكس التوجه القومي، والحرص الوطني، وكان له دور كبير في إرساء دعائم الاتحاد، وتعزيز استقراره من خلال مواقفه، وقربه من أصحاب القرار السياسي، كما كان محترماً في رأيه، الذي كان يؤخذ به كثيراً.. وتريم كان ذلك الإنسان الذي يجسد ابن الإمارات بطيبه، وشموخه، وعزته، وكان أيضاً أخاً، وصديقاً، ورفيقاً، حيث كانت بيننا علاقة أخوية، وكنا نشعر أنه من الوطنية، والحرص على الصالح العام بمكان، فضلاً عن اهتمامه بشؤون المواطنين، وقضاياهم، من خلال آرائه في المجالس المختلفة التي كان يشارك فيها، وكان لديه أيضاً عمق عربي، واهتمام مشهود بالقضية الفلسطينية، والقضايا العربية كافة، رحم الله تريم، وأسكنه فسيح جناته.
سيف سعيد بن ساعد السويدي:
تعجز الكلمات عن وصف المرحوم تريم عمران تريم، فقد عرفته أخاً، وصديقاً، وزميلاً، عندما كنت في بداية حياتي العملية في سفارة الإمارات العربية المتحدة، وكان بالفعل نعم الأخ والأستاذ الذي أخذ بيدي للعمل في السلك الدبلوماسي، كأحد أبناء الإمارات الجدد، الذين يتولون وظيفة دبلوماسية بعد قيام الدولة، وخلال فترة وجودي في القاهرة استفدت منه الشيء الكثير، مما أهلني إلى أن أصبح سفيراً للإمارات في الجمهورية اليمنية كثاني سفير لهذا البلد، وذلك خلال 4 سنوات من زمالته، بما يظهر ولا يدع مجالاً للشك، بأن فترة بقائي مع المرحوم كانت ذات أهمية بالغة.
وكان، رحمه الله، يتمتع بأخلاق رفيعة، وتواضع جم، وسعة في الثقافة والمعرفة، رحمه الله، وأسكنه فسيح جناته.
إبراهيم العابد:
تريم عمران «رحمه الله»، كان رائداً حقيقياً للإعلام، والصحافة في الدولة، ويشهد له التاريخ بذلك، وكان أيضاً من العلامات البارزة في صحافة الإمارات، وكان يتمتع برؤية وطنية ثاقبة في مجال العمل الوطني حين كان رئيساً للمجلس الوطني الاتحادي، حيث لعب دوراً مهماً في المساهمة في أن يصبح «الوطني» أحد أعمدة الاتحاد في الدولة، كما ساهم في ترسيخه، لأنه كان يعبر عن نبض الشارع الإماراتي.
د. محمد مراد عبد الله:
كان تريم عمران «رحمه الله» علماً من أعلام الدولة، ومن أوائل من ساهموا بشكل فعال في بداية تأسيسها، وعاصر المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه، وكان له دور كبير وبارز في وضع أسس الدولة، وأنظمتها، وقوانينها، وأيضاً كان له دور وطني كبير في المجلس الوطني الاتحادي، وعمل بكل جهد وإخلاص في تعزيز البعدين العربي والقومي، وتعزيز مكانة الدولة، في المحافل العربية والدولية، وأيضاً كان له مع شقيقه الراحل د. عبد الله عمران دور إعلامي بارز بتأسيس جريدة الخليج، التي لعبت دوراً كبيراً في بداية الاتحاد، وقامت بدور في الدفاع عن سيادة الدولة، ومساندة القضايا العربية، والقومية، والدفاع عنها، وتميزت باستقطاب نخبة من الإعلاميين البارزين، وكانت ولاتزال من أكثر الجرائد انتشاراً ومتابعة من القراء، فيما كان «رحمه الله» شخصاً متواضعاً، لديه حس إنساني راقٍ، يحب الوطن والناس، ويدافع عن الحق، ويعمل على إقراره.
د. محمد الصاحي الزعابي:
كان تريم عمران «رحمه الله» مفكراً سبق زمانه، حيث كان يتنبأ بالأحداث، وبكل ما يتعلق بأمن واستقرار وعروبة الخليج، ويكفينا فخراً اختياره لاسم الخليج على الصحيفة التي أسسها مع شقيقه الراحل د. عبد الله عمران، ليبقى خليجاً عربياً، في مواجهة كل التحديات، ومواجهة الطمع في استنزاف خيرات ومقدرات الخليج، وكان لديه حرص وطني وقومي، لاسيما في ما يتعلق بسلامة الأمن والاستقرار، وكان قامة فريدة في حسه الوطني، وحرصه على الإمارات ودول الخليج ككل، لذا فنحن خسرنا فكراً، وثقافة وعلماً، وكان عطاؤه مميزاً، ولا يمكن أن يُنسى.
أحمد السركال:
لقد خسر المجتمع الثقافي الراحل تريم عمران، الذي كان أحد القامات في هذا المجال، وقد أسس مع شقيقه الراحل د. عبد الله عمران دار الخليج، التي تعد هرماً إعلامياً شامخاً، ويتابع الجميع المطبوعات الصادرة عنها، لمصداقية ما تتضمنه، وتستعرضه، ولأمانة نقلها للأحداث، ولرجاحة تفنيدها لها، والدقة في بحثها.
ومازلنا نتذكر الخلق الجميل الذي كان يتمتع به الراحل تريم عمران، والثقافة، والعلم، والتواضع، والبساطة، فقد كان مثالاً كأب، وأخ، وصديق، وكان طيباً ومعطاءً، وساعياً في الخير.
د. علي القحيص:
لا شك أن ذكرى رحيل عملاق الصحافة تريم عمران الإعلامي اللامع، عزيزة علينا، حيث كنت أعرفه شخصياً، والتقيت به في دار الخليج، وتابعت إنجازاته الصحفية، وبصماته البارزة في العمل الصحفي العربي، لاسيما التزامه بقضايا الأمة العربية.
وكان «رحمه الله» أحد أعمدة الصحافة العربية المرموقين، وكان من المحترمين الملتزمين بميثاق العمل الصحفي المنضبط والملتزم، وكان خير معلم في العمل الصحفي، ومثابراً، وصاحب بصمات إنسانية جديرة بالذكر، من خلال مساعدة زملائه، والمحتاجين، إضافة إلى مبادراته العديدة.
