يقول بعضهم: إن فلاناً من الناس ارتكب من المعاصي ما اشتهتها نفسه ولم يتورع عن شيء منها، واليوم بعد أن عجز نفسياً وبدنياً ومالياً قال: إني تبت وهو يدري أن الله لا يتوب عن أمثاله.
أقول: إنه من التجرؤ على الله تعالى أن نجزم بعدم قبول توبة العاصي الذي تاب عن معصيته بعد أن عجز عن مواصلة المعصية، إذ ينبغي أن نفوّض أمر قبول التوبة إلى الله لأنه خلق العباد وبيده مقاليد الجنة والنار.
لقد قال ربنا تبارك وتعالى: «وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إن تبت الآن». (الآية ١٨ من سورة النساء)
نعم... قال ربنا هذا، ولكنه في المقابل قال أيضاً: «إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب، فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليماً حكيماً« (الآية ١٧ من سورة النساء)
فقوله تعالى : يتوبون من قريب أي: قبل الموت، والمهم أن تتحقق في هذه التوبة الشروط الخمسة: الإخلاص والندم على مافات، والإقلاع عنه في الحال، والعزم على ألا يعود في المستقبل، وأن تكون التوبة في الوقت الذي تقبل فيه، أي قبل الموت وقبل طلوع الشمس من مغربها.
فالسارق إذا قطعت يده، والزاني إذا عجز عن ممارسة الزنى، أو السجين إذا حُكم عليه بالسجن المؤبد، أو من حكم عليه بالاعدام وهو ينتظر التنفيذ.
كل هؤلاء لهم أن يتوبوا، ويُرجى من الله قبول توبتهم إذا وقعت التوبة بالشروط التي ذكرناها، ولا يقال بأنهم لمّا أيسوا من الحياة تابوا.
يقول ابن تيمية: «معروف عند أهل السنة قبول توبة العاجز عن المعصية كتوبة المجبوب عن الزنا، وتوبة الأقطع عن السرقة، لأننا ما نقول ما يقوله القدرية بأن العاجز عن الفعل لا يصح أن يثاب على تركه الفعل بل يعاقب على تركه.
وإنما نقول بأن إرادة العاجز عليها الثواب والعقاب، والإرادة الجازمة مع القدرة تجري مجرى الفاعل التام».
فهذا العاجز عن المعصية إذا أتى بما يقدر عليه من مباعدة أسباب المعصية بقوله وعمله وهجرانها وتركها بقلبه، فهو والتائب القادر عليها سواء، وتوبة هذا العاجز عن كمال الفعل كإصرار العاجز عن كمال الفعل، وفي الحديث: «إن الله تجاوز لأمتي عما وسوست، أو حدّثت به نفسها ما لم تعمل به أو تكلم». (متفق عليه) (انظر الفتاوى الكبرى الجزء العاشر ص ٧٤٦).
ويسأل بعضهم فيقول: فلان ارتكب عدة معاص فتاب عن شرب الخمر لكنه لايزال مُصراً على الزنا، فهل تقبل توبة عاص مثل هذا؟
أقول ما قال الإمام النووي وهو: «وتصح التوبة من ذنب وإن كان مصراً على ذنب آخر، وإذا تاب توبة صحيحة بشروطها ثم عاود ذلك الذنب كتب عليه ذلك الذنب الثاني ولم تبطل توبته وهذا مذهب أهل السنة». (انظر شرح مسلم للنووي ج ٥٩ ص ١٧- ٦٠).
أما ابن القيم فقال: «إن التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره فيه قولان لأحمد والذي عندي أن التوبة لا تصح من ذنب مع الاصرار على آخر من نوعه».
وأما التوبة من ذنب مع مباشرة آخر لا تعلُّق له به ولا هو من نوعه فتصح، كما إذا تاب من الربا ولم يتب من شرب الخمر فإن توبته من الربا صحيحة.
أما إذا تاب من ربا الفضل ولم يتب من ربا النسيئة فلا تصح توبته (انظر مدارج السالكين ج ١ ص ٢٧٣ - ٢٧٥).
هل تصح توبة العاجز عن المعصية؟
15 فبراير 2019 05:50 صباحًا
|
آخر تحديث:
15 فبراير 05:50 2019
شارك
د. عارف الشيخ