منذ اليوم الأول، وبعد حفل تنصيبه الهائل وجد أوباما نفسه غارقاً في خضم لجتين عميقتين، الأولى، دوامة الأزمة الاقتصادية التي تزداد سوءاً يوماً بعد يوم، والثانية قضية الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. وفريق عمل أوباما مدجج ومتخم بالاقتصاديين والمصرفيين، ويحاول تسويق وتمرير خطته للتحفيز الاقتصادي التي تبلغ قيمتها 825 مليار دولار.

وقد اصطف خلف خطة التحفيز، عدد من الديمقراطيين، تنوعت أدوارهم بين التهليل والتحميس. لكنهم اصطدموا برفض الجمهوريين في الكونغرس وتصويتهم بالإجماع ضد تمرير خطة أوباما.

يمكن القول إن الاقتصاد الأمريكي ربما يكون مليئاً بالثقوب والفجوات، وإن قاعدة الصناعة الأمريكية تآكلت واهترأت بفعل عشرين عاماً من منافسة صادرات الصين، ودول أخرى تتميز برخص الأيدي العاملة، ويبدو أن برنامج حفز اقتصادي لن يكون كافياً لصد الموجة العاتية.

ونادراً ما يُلام أوباما على خطته لضخ 825 مليار دولار، لأن هذا يُعتبر أمراً مقضياً ومفروغاً منه، منذ اللحظة التي تم فيها انتخابه رئيساً، بيد أن ضخ اثنين أو أربعة تريليونات دولار لإنقاذ البنوك مثلما أشار بذلك وزير الخزانة تيم غيثنر، سيكون حماقة كبرى، وهذا أمر سيجعل وول ستريت تبتسم بجرأة في وجه الرأي العام الذي سخر من انفاق مؤسسات وول ستريت للأموال التي أعطيت لها سابقاً لمساعدتها، وانفقت جزءاً ضخماً منها في شكل علاوات لمديريها ومنسوبيها. وستزداد ابتسامة وول ستريت اتساعاً إذا تلقت هذه المساعدة الإضافية الهائلة، لكي تقوم بإعادة تدويرها في شكل قروض وسلفيات للشعب الأمريكي، الذي أصبح كسيحاً من ثقل الديون التي ينوء بحملها.

وفي هذا الصدد يقول الاقتصادي مايكل هدسون: وضعت اللوبيات المالية حلاً للأزمة الاقتصادية واحتضنته الحكومة الأمريكية، ويتمثل هذا الحل في إنقاذ البنوك ووول ستريت، مع ترك الاقتصاد الحقيقي يغرق في مزيد من الديون، وبالتالي يتعين على الأسر، والقطاعين العام والخاص إنفاق مرتباتهم، ومداخيلهم على خدمة الديون بدلاً من الإنفاق على شراء البضائع والخدمات، فلماذا إذاً نحل مشكلة الديون بديون جديدة؟ أليس هذا عملاً جنونياً؟

والأسوأ من ذلك، قيام فريق أوباما الاقتصادي بتهيئة الأجواء، وتنبيه الصحافيين بحماسة لفكرة ما يسمى ب بنك التجميع، وهو البنك الذي سيتولى مهمة تجميع أصول وموجودات البنوك الرديئة، وهذا يقودنا إلى سؤال: هل ستتماشى إدارة أوباما الجديدة مع برنامج بوش بولتون، وبالتالي تدع وول ستريت ترمي بمشاكلها في حجر دافع الضرائب، وتمضي مبتهجة في طريقها؟ إن هذه المعالجات، لا تعتبر حلولاً على المدى الطويل، وهي تجعل الأمريكي العادي غارقاً في الديون. وهذه المعالجات توفر راحة وخلاصاً مؤقتاً للاعبين الكبار في الحقل الاقتصادي والمالي، وهؤلاء اللاعبون هم أكبر ممولي الحملات الانتخابية السياسية. وهم أيضاً محور اللوبيات في أيامنا هذه، ويبدو أننا بحاجة إلى كوارث أكثر لكي يستيقظ أوباما، وفريقه الاقتصادي، ويعملا على الخيار الجاد الوحيد وهو ركل جثة النظام المصرفي الحالي، المتعفنة وقبرها، ثم تأسيس وبناء نظام مصرفي جديد، عقلاني وراشد وتحت رقابة عامة.

يمكننا أن نقول، في ضوء ما تقدم، إن وول ستريت بإمكانها أن تشعر بالرضا لأن استثمارها في أوباما يأتي أكله.

ويبدو أن اللوبي الإسرائيلي يتقاسم مع وول ستريت مشاعر الغبطة والرضا، لأن هذا اللوبي كافأ أوباما على مداهنته وتملقه الشديد ل إسرائيل برعايته بحماسة لحملات أوباما الانتخابية فهل يبدو أن هذه العلاقة التبادلية تثمر إلى الحد الذي يمكن معه القول إن أوباما صديق حقيقي ل إسرائيل؟

في خطاب تنصيبه قال أوباما: نحن أمة من المسيحيين والمسلمين، ومن اليهود والهندوس والملحدين، ويلاحظ في الجملة السابقة، أن أوباما أتى على ذكر المسلمين قبل اليهود الأمر الذي جعل البعض يرفع حاجبيه، دهشة في اليوم التالي، وفي أول سلسلة مكالمات هاتفية لزعماء الشرق الأوسط أجرى أوباما أول مكالمة مع محمود عباس، والثانية مع أولمرت، وقبل أن يستقر تماماً في مكتبه، عين أوباما أحد رفقائه الديمقراطيين، السناتور الأمريكي السابق جورج ميتشل، وسيطاً له بين الإسرائيليين والفلسطينيين. وميتشل والدته لبنانية هاجرت إلى أمريكا عندما كانت في سن الثامنة عشرة، وقد توفي والده الإيرلندي، ونشأ ميتشل في كنف عائلة والداته المسيحية المارونية اللبنانية.

ثم إن أوباما أجرى أول مقابلة تلفزيونية رسمية مع قناة العربية التي تتخذ من دبي مقراً لها، وعندها قال أوباما في مستهل المقابلة: أعتقد أنه من الممكن بالنسبة لنا أن نرى دولة فلسطينية لن أضع لها إطاراً زمنياً ستكون متماسكة، وتسمح بحرية الحركة لمواطنيها.. متماسكة؟! يمكنك أن تقرأ هذه الكلمة بعدة طرق، من بينها احتمال أن أوباما قصد انتقاد الإسرائيليين ضمنياً على استراتيجيتهم في تجميع الفلسطينيين في كانتونات صغيرة في الضفة الغربية، مقسمة بطرقات عسكرية، وجدران ومستوطنات يهودية.

وفي هذا الصدد، يعلق داعية السلام الإسرائيلي الذي تمتد سيرته الذاتية إلى أيام إسرائيل الأولى آورى آفنيري قائلاً: هذه ليست أنباء جيدة للزعماء الإسرائيليين، لقد اتبعوا في ال 42 عاماً الماضية سياسة توسعية، احتلال ومستوطنات بتعاون لصيق مع واشنطن، لقد أعتمدوا على دعم أمريكي غير محدود، بدءاً من الدعم النقدي والدعم بالسلاح الهائلين، إلى استخدام الفيتو في مجلس الأمن ويعتبر هذا الدعم أساسياً لسياستهم، هذا الدعم يبدو أنه الآن بلغ أقصاه ووصل إلى حدوده النهائية.

يبدو أن أوباما تألم، من النقد القاسي الذي كيل له حول العالم، لأنه أغلق فمه أثناء عربدة إسرائيل الدموية في غزة. كما أن خطاب السفير السعودي لدى الولايات المتحدة تركي الفيصل، الذي كان واضحاً أنه مليء بالغضب على تصرفات أمريكا وإسرائيل ربما جعل أوباما يعجل مد يده للعالم العربي خاصة إذا علمنا أن أمريكا محتاجة لكل حلفائها في أزمتها المالية.

وعلى الرغم من تحركات أوباما الأولية المتسارعة في الشرق الأوسط، ظل اللوبي الإسرائيلي في أمريكا محتفظاً بهدوئه. فقد أوردت صحيفة جويش فور وارد المؤثرة، أوردت في افتتاحيتها كلاماً إيجابياً حول تحركات أوباما.

ولكن الأجواء قد تغدو ملبدة ومشحونة، منذ اللحظات الأولى التي يعلن فيها ميتشل عن خطة أو برنامج، يكون محيراً ومربكاً ل إسرائيل أو لقائدها المحتمل بنيامين نتنياهو وهذا سيكون وقت الاختبار الحقيقي لأوباما وقيادته، التي لا تذعن وتنحني بسهولة، وإذا افترضنا وجود مجموعة مراهنين أو مقامرين، يراهنون على مواقف أوباما، فإن المراهن الحصيف لن يقامر على أساس أن أوباما يمكنه ببساطة ان يتخلى عن رأسمال سياسي هائل يتمثل في اللوبي الإسرائيلي بيد أن التحركات والخطوات التي قام بها أوباما حتى الآن، تجعل أي مراهن على مواقفه في حيرة بالغة.

* كاتب ومحلل سياسي يشارك في تحرير نشرة كاونتربانش