أعتقد أن مؤيدي وأنصار أوباما، يشعرون بالغبطة والرضا، عن أداء رجلهم منذ توليه السلطة حتى اليوم، خاصة عندما يقارنون نظام وتناغم المجموعة الجديدة التي تدير دفة الحكم في البيت الأبيض، مع الفوضى التي سادت عندما استلم كلينتون وفرقته إدارة البيت الأبيض العام 1993. وبإمكان أنصار أوباما التباهي بطريقته وسرعة تمريره لخطته المتعلقة بتحفيز وإنعاش الاقتصاد الأمريكي، وكذلك تحجيمه لعمليات التعذيب الرسمية التي كانت السي. آي. ايه تمارسها، وأيضاً أحيا أوباما مراسيم الموجهات الأخلاقية، والمساواة في الأجور.
بمقارنتها بأسرة كلينتون، تبدو أسرة أوباما وكأنها تجسيد للاستقرار الهادئ الذي ميز لوحات الرسام الأمريكي المعروف نورمان روكويل، الذي اشتهر برسوماته التي كانت مجلة ساترداي إيفنينغ بوست تعرضها على أغلفتها، إبان حقبة الحرب العالمية الثانية، وتصور حياة الأسر الأمريكية المثالية والمستقرة، في القرى والمدن الأمريكية الصغيرة.
من الآن فصاعداً، لن يكون البيت الأبيض مرتعاً لدنس اللقاءات الغرامية المحرمة، التي صعقتنا أيام كلينتون.
ومع خطوات أوباما الأولى في البيت الأبيض، اغتبط التقدميون وظهرت عليهم إمارات الابتهاج والحبور، وارتجت مواقع الانترنت بأصوات تحث قوى اليسار على تأييد برنامج أوباما الاقتصادي، ومن أمثلة هذه الأصوات روبرت يورو ساغي أحد مديري منظمة الحملة من أجل مستقبل أمريكا، وهي منظمة سياسية تقدمية معروفة، ويوروساغي يقول على التقدميين، واليساريين، الذين أسهموا في انتصار أوباما الانتخابي الاصطفاف حول فرصة تاريخية لإعادة بناء أمريكا، نحن نقف على بعد خطوة واحدة من حقبة إصلاح تاريخي.. هذه الخطة خطة أوباما لانعاش الاقتصاد عبارة عن دفعة مقدمة أو عربون لاستثمارات طويلة المدى، في العناصر الحيوية، والجوهرية في أمريكا والتي تشمل الرعاية الصحية، والتعليم، والبنية الأساسية والطاقة.
هل كل ما ذكره روبرت يوروساغي، وغيره من التقدميين يعد صحيحاً؟
أعتقد أننا حتماً، وبالفعل على بعد خطوة واحدة، ولكن علامات الطريق التي تضعها لنا إدارة أوباما الجديدة، يؤشر غالبيتها في اتجاه الكارثة التي نقترب منها بسرعة متصاعدة. وقد يعتقد القارئ أنني تسرعت في حكمي على إدارة أوباما، ولم يمض على حفل تنصيبه سوى أسابيع قليلة، ولكنني توصلت إلى حكمي هذا بعد تدقيقي في ترشيحات أوباما لطاقمه الوزاري ومسؤولي إدارته الجدد، وبعد تمعن في الأطر المخيفة والخطوط العريضة المنذرة بالخطر، في استراتيجيته لعلاج الأزمة المصرفية.
ومن ضمن الأمور التي تبعث على التفاؤل بمستقبل أوباما، قوائم مرشحيه لتولي وزارات ومناصب قيادية، فالشخصيات التي يمكن اعتبارها لائقة ومحترمة في هذه الترشيحات قليلة جداً، فهيلدا سوليس مثلاً، مناسبة كوزيرة للعمل، وترشيح ليون بانيتا مديرا لجهاز الاستخبارات ال(سي. آي. ايه)، اختيار موفق.
وبالتأكيد يوجد مرشحون آخرون يشار إليهم بالبنان وسط المئات من المسؤولين والقياديين الجدد، ولكن معظم الترشيحات سلبية، لأن أوباما أحاط نفسه، بطريقة منهجية، بقدامى أعضاء الحزب الديمقراطي من أصحاب نزعات المعارك والحروب الدائمة، وكذلك بمجموعة من واضعي الخطط الاقتصادية ممن سبق لهم الاسهام في إشعال حرائق اقتصادنا، وإيصال بلادنا إلى الحالة السيئة التي تعانيها حالياً.
وإذا استثنينا جورج ميتشل، مبعوث أوباما المكلف بمتابعة تداعيات الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، فإن اللوبي الإسرائيلي المألوف والمعتاد يحيط بأوباما ويحتضنه ولا جديد يذكر في هذا الأمر.
والغريب، أن إبقاء أوباما على وزير الدفاع روبرت غيتس في منصبه لم يثر أي اضطراب سياسي أو اجتماعي. فلماذا لا نعلق لافتة في مدخل البنتاجون ونكتب عليها بالخط العريض العمل يجري كالمعتاد؟
والمعروف أن البنتاجون تأخذ نصيباً هائلاً من الميزانية الأمريكية، وهي أحد مراتع الفساد الكبرى التي تنخر في الاقتصاد الأمريكي، وبالرغم من ذلك، أرسل أوباما حتى قبل أن يؤدي قسم الرئاسة، عدة إشارات توحي بعدم رغبته في أي تدخل في شؤون البنتاجون.
وتفوح رائحة محاباة اللوبيات، في اختيار أوباما لكل من توم فيلساك لوزارة الزراعة وكين سالازار للداخلية.
توم فيلساك (حاكم أيوا سابقاً) معروف بأنه ناشط ومحاب متطرف للوبي المحاصيل الجينية المهندسة وراثياً، وهو شخصية محبوبة للغاية لشركات مثل مونسانتو عملاق تجارة البذور الطبيعية والمعدلة، وخادم مطيع لمجمع الصناعات والزراعات الكيميائية.
وسلم أوباما وزارة الداخلية، لسيناتور كولورادو المرموق كين سالازار، وهو سادن بالفطرة لقوى المال، ويجيد تدبير الصفقات مع أقطاب صناعة الفحم، وكبار ملاك الأراضي.
عين كلينتون شخصية محترمة وموقرة في منصب ضابط الصحة العام، وهي جوسلين إيلدرس، ولكن ماذا عن أوباما؟
في حملته الانتخابية وضع أوباما الرعاية الصحية في مقدمة أولوياته، فمن هو الشخص الذي اختاره لتنفيذ برنامجه للرعاية الصحية؟
لقد اختار لنا أوباما الشخصية التلفزيونية سانجاي غوبتا، وهو طبيب يقدم برنامجاً في قناة السي. إن. إن، وتعيين غوبتا في منصب ضابط الصحة العام في أمريكا (كبير الأطباء)، وهو منصب يعادل تقريباً منصب وزير الصحة، يرضي ويُبهج شركات الأدوية، لأن غوبتا يعد بمثابة طُعم السمك لهذه الشركات.
كما أن د. غوبتا يجهل تماماً قضايا الرعاية الصحية العامة، ومعروف بعداوته لنظام الرعاية الصحية الذي يعتمد على الدفع الفردي وهو النظام الذي يعتمد على وجود ممول أو دافع فردي، يكون عادة إما جهة حكومية أو شركة تأمين واحدة، يتميز بسهولة إجراءاته الإدارية وتوفيره للنفقات العامة.
أوباما إذاً، وبناء على ما ذكرناه آنفاً، يبني خيارات مرشحيه للوظائف العامة، القيادية، على أسس إرضاء ومحاباة الشركات ومؤسسات النفوذ.
إننا نواجه أزمة اقتصادية عميقة، وكل أسبوع يمر تأتي معه مؤشرات جديدة على تنامي الكارثة. واقتصادنا انكمش بشدة في الربع الأخير من ،2008 وبدأ يغرق في لجة عميقة، وحتى لو نجحت خطة أوباما، التي تهدف لخلق ثلاثة ملايين فرصة عمل في العامين القادمين، فإنها بالكاد تكون قد غطت فجوة الوظائف التي فقدت في العامين الماضيين.
إن جوهر كارثة أمريكا الاقتصادية يتمثل في انهيار البنوك، وليس من الصعب اتخاذ حزمة إجراءات، جريئة وصارمة لوقف تداعي المزيد والمزيد من البنوك والمصارف، ويجب على أوباما ان يؤكد على الملأ أن النظام المصرفي تالف، وينبغي أن ندرك أن وقتاً طويلاً قد فات، ولم يعد يجدي حقن وضخ الأموال العامة في جسد المصارف والمؤسسات المالية، ويجب علينا أن نضع أصول البنوك الحقيقية الجيدة في بنوك مؤممة، وأن نطرد مديري وقادة البنوك الفاشلين، وإعدام الديون والأوراق المالية والتجارية الرديئة، والمشكوك فيها، والغاء القيم الدفترية لحقوق المساهمين.
وبعد كل هذا، ما هي خطة أو تدابير أوباما ووزير خزانته البائس تيم جيشنر لمواجهة الأزمة المالية عامة، والمصرفية تحديداً؟
الأمر المذهل، هو عملهما حالياً على خطة ضخ تريليون دولار أخرى لإنقاذ الاقتصاد! والاسوأ من ذلك، هو أن فريق أوباما الاقتصادي ينبه الصحافيين، ويستنفرهم بحماس كبير، لما يدعى ببنك التجميع وهو البنك الذي ستجمع فيه الأصول الرديئة للبنوك، مقابل قيمتها الاسمية.
وينبغي على قوى اليسار في أمريكا أن تقتدي باليسار الأوروبي، وتفجّر غضب الشعب الكامن تجاه وول ستريت، وكما حدث في الثلاثينات، يفترض ان يمور الكونجرس بنقاشات وجلسات استماع، وتحقيقات ساخنة في جرائم وول ستريت، ولكننا بدلاً من ذلك نسمع ثرثرة متقطعة، وانتقادات خافتة من أوباما حول علاوات ومكافآت أباطرة وول ستريت.
وبالنسبة للعالم الخارجي، يبدو أن أوباما ينزلق نحو كارثة، ومستنقع آسن، فقد تعهد بمضاعفة عديد القوات الأمريكية في أفغانستان، وهذا أمر ينذر بتحويل مطاردة ابن لادن الصورية، إلى حرب أوسع وسط قبائل البشتون، وبالتالي الغوص عميقاً في باكستان.
وأود أن أقول، للناس الذين لا يزالون يحدوهم الأمل، ويتطلعون بتفاؤل لعهد أوباما، إن الواقع حتى الآن أسوأ من كل مخاوفهم السابقة.
* محرر مشارك في نشرة كاونتر بنش