للحظة ما استعادت ذاكرتي تاريخاً طويلاً عن رحلتي مع الكتابة حين بدأت في الثمانينات، ونشرت أول كتابة متواضعة لي في مجلة الأزمنة العربية، وعبرت الرحلة الطويلة التي أبحرت فيها تتقاذفني الأمواج من شاطئ إلى شاطئ وتتجاذبني قوتها بين مد وجزر .

توقفت لحظة وسحبت ذاكرتي لأبعد من هذا الزمن والتاريخ، حين كنت طالبة على مقاعد الدراسة، كانت بداية شخبطاتي التي كنت أدسها بين دفاتري المدرسية، خواطر تلونها براءة الكلمة والحرف، أستمتع بها وأصدق أنني لن أكون يوماً أقل من مي زيادة، أو فدوى طوقان، أو جبران خليل جبران، أو بدر شاكر السياب، وصدقت نفسي وعشت الدور حتى النهاية .

أعود إلى سنوات المدرسة، أحاول أن أتذكر ما الذي أغراني بعد ذلك بالكتابة، الفكرة أو الكلمة أو المعلومة أو القراءة، صدقوني لا أعلم . لم تكن للقراءة في صغر سني طقوس يمكن أن تؤهلني في ما بعد لحمل قلم . ففي السنوات العشر الأولى كنت أتوجه إلى المكتبة التي بجوار بيتنا والتي فتحها أخي الكبير كنوع من التجارة المبكرة، ومن ثم أغلقها بسبب الخسائر، وأعتقد أنني كنت أحد أسباب خسارته الفادحة إن لم أكن أقوى هذه الأسباب . في صغري بقيت أستغل وجهي الطفولي لابتزاز أخي لأقرأ كل محتويات مكتبته مجاناً، وحسناً فعلت .

كنت بعد أن ألعب لساعات مع أترابي من البنات والبنين في سكيك الحارة يخيّم عليّ هاجس القراءة . أعلم ستقولون وما صلة هذا بذاك؟ صدقوني هي كما يقولون استراحة المحارب، أقصد اللاعب، وقد كنت أتوجه إلى مكتبته وقدماي حافيتان، وأجلس في ركن على كرسي أؤرجح رجلي، واقرأ سندريلا وأتذكر أخواتي الشريرات، وعقلة الإصبع، والأقزام السبعة، والأميرة النائمة التي ألبس ثوبها وأحلم بها، وقدماي متسختان من التراب من اللعب . ولم تكن أمي تعلم بحالتي التي يرثى لها، وقبل العودة للبيت أقوم بغسل قدمي وتعديل هندامي أمامها لأقنعها بمحافظتي على أناقتي .

كان قلبي الصغير قد وقع اتفاقية مع الملائكة . هذا ما كنت أعتقده آنذاك . كنت كلما تمنيت شيئاً يتحقق خاصة على يد أخي الكبير، فأبتسم وأنا على يقين بأن الاتفاقية ما زالت قائمة، واليوم أحاول أن أتذكر هل كانت الكتابة من ضمن بنود تلك الاتفاقية كي تتحقق؟ بالتأكيد من دون أدنى شك .

كل شيء تغير، كبرت وبقيت الأحلام تتحقق حسب بنود الاتفاقية المبرمة بيننا . وسلكت طريق الكتابة منذ نعومة أظفاري، لكن لم أنشر لا في كتاب ولا في الصحف ولا حتى على حبل الغسيل، لكني كنت أدس قصاصاتي بين كتبي ودفاتري وأخبئها عن العالم بأسره قدر الإمكان، حتى لا يقبض عليّ متلبّسة بجريمة الكتابة، حتى كان ذلك اليوم .

[email protected]