صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
ميسون الخالدي
أحدث مقالات ميسون الخالدي
5 مايو 2010
رحيل مفكر عربي

شهقت وبكيت صباح أمس حين وجدت نعيه على الصفحة الأولى، قلت لوالدتي حدثته على الهاتف لأدعوه لمشاركتنا مؤتمرنا العام الماضي، قال: سأحضر إن نسيني الموت، وكان في العمر بقية وفي الصحة متسع للسفر . لم أعد أقوى على السفر . ما زلت تحت تأثير الوعكة الصحية التي ألمت بي مؤخراً . قلت له يحتاج إليك العقل العربي بصحة وعافية لتوقظ الوعي فيه، قال لا فائدة لعربي غيب عقله في ما ليس له، العمر يمضي سريعاً والعمل يأكل من أجسادنا، والمسؤوليات تنخر في أرواحنا .

محمد عابد الجابري المفكر والفيلسوف العربي الذي فارقنا يوم الاثنين الثالث من مايو ليهز غيابه أعمدة الفكر العربي، عملاق الأدب والفكر والفلسفة، ذاع صيته في العالم أجمع وكان ابن خلدون القرن العشرين، أعادنا بلغته البسيطة وفكره العميق ووعيه اللامتناهي إلى عصر الفلاسفة المسلمين من ابن خلدون إلى ابن رشد إلى الغزالي، أخذ على عاتقه إيقاظ الفكر والوعي والعقل العربي، وفند مشكلاتنا الفكرية والتربوية والمجتمعية من أجل رؤية تقدمية واعية تواكب العصر .

ليس مديحه موضوع الحديث في هذه السطور . كلكم يعرفه أكثر مني، لكنني وددت أن أذكر لحظات تاريخية سطرت في حياتي عن طريق عملي الحالي، حيث كنا في صدد تنظيم مؤتمر يتناول الهوية الوطنية ومن صميم عملنا أن نبحث ونقرأ للمؤلفين الذين تناولوا موضوع الهوية الوطنية، وكان على رأس المفكرين العرب محمد عابد الجابري، بالإضافة إلى كل من المفكر الجزائري محمد أركون، والدكتور طارق رمضان الأستاذ المحاضر في علوم الإسلام في أوكسفورد، والبروفيسور ياسر سليمان أستاذ اللغة العربية ودراسات الشرق الأوسط، وغيرهم من عمالقة الفكر والفلسفة .

أرسلت للدكتور محمد الجابري رسالة إلكترونية بتاريخ 3 نوفمبر 2008 أدعوه فيها لمشاركتنا مؤتمرنا، لأفاجأ في اليوم الثاني 4 نوفمبر ،2008 برده بالموافقة وكان النص أشكركم على دعوتكم الكريمة وأرحب بها بالموافقة المبدئية، في انتظار تحديد اليوم أو الأيام التي سيكون عليّ الحضور معكم خلالها في المهرجان، ذلك لأن لدي التزامات أخرى في الشهر نفسه . ومن جهة أخرى أفضل أن تحددوا لي نوع المساهمة المطلوبة مني: محاضرة في موضوع محدد، مجرد مداخلة أو مداخلات أثناء ندوات المهرجان . . إلخ . أملي أن تتحسن ظروفي الصحية حتى ألبي هذه الدعوة الكريمة في أحسن الظروف .

بعدها كان الاتصال الذي شمل الحوار السابق ذكره . لماذا أذكر هذا كله؟ ذكرته لنعي حجم الخسارة الكبيرة التي مني بها الوطن العربي الذي يغط في ظلمات الجهل والتخلف، خاصة بما يدور حوله وما يخطط له، مفكر بحجمه يتواصل بذاته بالرسائل والاتصال من دون عوائق أو سكرتارية، ويرحب بلا أدنى شرط أو قيد في المشاركة، ويؤكد أنه لن يعيقه عن الحضور إلا أمر الله .

ما زال صوته المتهادي يرن في أذني . رحل محمد عابد الجابري ليرحل معه مفكر العقل العربي، رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، وألهم العقل العربي الصبر والسلوان .

[email protected]

28 أبريل 2010
اتفاقية مبرمة

للحظة ما استعادت ذاكرتي تاريخاً طويلاً عن رحلتي مع الكتابة حين بدأت في الثمانينات، ونشرت أول كتابة متواضعة لي في مجلة الأزمنة العربية، وعبرت الرحلة الطويلة التي أبحرت فيها تتقاذفني الأمواج من شاطئ إلى شاطئ وتتجاذبني قوتها بين مد وجزر .

توقفت لحظة وسحبت ذاكرتي لأبعد من هذا الزمن والتاريخ، حين كنت طالبة على مقاعد الدراسة، كانت بداية شخبطاتي التي كنت أدسها بين دفاتري المدرسية، خواطر تلونها براءة الكلمة والحرف، أستمتع بها وأصدق أنني لن أكون يوماً أقل من مي زيادة، أو فدوى طوقان، أو جبران خليل جبران، أو بدر شاكر السياب، وصدقت نفسي وعشت الدور حتى النهاية .

أعود إلى سنوات المدرسة، أحاول أن أتذكر ما الذي أغراني بعد ذلك بالكتابة، الفكرة أو الكلمة أو المعلومة أو القراءة، صدقوني لا أعلم . لم تكن للقراءة في صغر سني طقوس يمكن أن تؤهلني في ما بعد لحمل قلم . ففي السنوات العشر الأولى كنت أتوجه إلى المكتبة التي بجوار بيتنا والتي فتحها أخي الكبير كنوع من التجارة المبكرة، ومن ثم أغلقها بسبب الخسائر، وأعتقد أنني كنت أحد أسباب خسارته الفادحة إن لم أكن أقوى هذه الأسباب . في صغري بقيت أستغل وجهي الطفولي لابتزاز أخي لأقرأ كل محتويات مكتبته مجاناً، وحسناً فعلت .

كنت بعد أن ألعب لساعات مع أترابي من البنات والبنين في سكيك الحارة يخيّم عليّ هاجس القراءة . أعلم ستقولون وما صلة هذا بذاك؟ صدقوني هي كما يقولون استراحة المحارب، أقصد اللاعب، وقد كنت أتوجه إلى مكتبته وقدماي حافيتان، وأجلس في ركن على كرسي أؤرجح رجلي، واقرأ سندريلا وأتذكر أخواتي الشريرات، وعقلة الإصبع، والأقزام السبعة، والأميرة النائمة التي ألبس ثوبها وأحلم بها، وقدماي متسختان من التراب من اللعب . ولم تكن أمي تعلم بحالتي التي يرثى لها، وقبل العودة للبيت أقوم بغسل قدمي وتعديل هندامي أمامها لأقنعها بمحافظتي على أناقتي .

كان قلبي الصغير قد وقع اتفاقية مع الملائكة . هذا ما كنت أعتقده آنذاك . كنت كلما تمنيت شيئاً يتحقق خاصة على يد أخي الكبير، فأبتسم وأنا على يقين بأن الاتفاقية ما زالت قائمة، واليوم أحاول أن أتذكر هل كانت الكتابة من ضمن بنود تلك الاتفاقية كي تتحقق؟ بالتأكيد من دون أدنى شك .

كل شيء تغير، كبرت وبقيت الأحلام تتحقق حسب بنود الاتفاقية المبرمة بيننا . وسلكت طريق الكتابة منذ نعومة أظفاري، لكن لم أنشر لا في كتاب ولا في الصحف ولا حتى على حبل الغسيل، لكني كنت أدس قصاصاتي بين كتبي ودفاتري وأخبئها عن العالم بأسره قدر الإمكان، حتى لا يقبض عليّ متلبّسة بجريمة الكتابة، حتى كان ذلك اليوم .

[email protected]

21 أبريل 2010
صناديق الموت

الخامس عشر من أبريل وصلتني رسالة على الهاتف مفادها أن إحدى شركات السيارات علقت بيع إحدى سياراتها في أنحاء العالم لعدم أهليتها، وفي الرابع والعشرين من فبراير كانت قد وصلت رسالة فيها ان شركة أخرى تسحب سياراتها من أمريكا وكوريا لمشكلة في الأبواب، وقبل ذلك في الخامس عشر من فبراير وردت رسالة أن أكثر من ثلاثة آلاف سيارة من إحدى الشركات سيتم تصليحها بنهاية يونيو في دولة الإمارات .

المعلومات التي ذكرتها كانت تصلني من خدمة الأخبار داخل الدولة، هذا يعني أنها ليست افتراءات على هذه الشركات . الجرأة والصدقية اللتان التي تحلت بهما هذه الشركات التي لم تتردد عن الإعلان عن حقيقة منتجها، والتي قد تتسبب بخسائر فادحة لها، كانتا لافتتين للنظر .

المتعارف عليه أننا شعوب ترفض مواجهة الخطأ والاعتراف به ومحاولة إصلاحه، لأننا دائماً نرى أنفسنا فوق الخطأ، ورغم نظرة البعض لجرأة شركات السيارات هذه، أنها قد تخسر سمعتها، غير الخسائر المادية، بسبب فقدان ثقة الناس بقوة ومتانة التصنيع، إلا أنني وجدت العكس، ففي عالم التسويق والترويج، يعدّ هذا الأمر في حد ذاته أكبر ترويج للبضاعة، وتعزيزاً كبيراً للثقة بالمنتج .

صناديق الموت هذه التي قامت الشركات المصنعة بالكشف عن حقيقتها هل هي جديدة، أم كانت سبب حصاد أرواح الكثيرين في دولتنا؟ صناديق الموت هذه التي كانت تصدر لنا، هل كانت هناك جهات متخصصة داخل البلاد تفتش عن مدى كفاءتها وصلاحيتها؟ هل هناك قانون يمنح السائق الذي يتعرض لحادث سيارة أن يطالب الشركات بالتعويض أنه ليست هناك طريق للمساءلة؟

لقد ضيعت هذه الصناديق الكثير من شبابنا وغيرهم . حوادث لم نعلم عن أسبابها، ودائماً نلقي باللائمة على السرعة الجنونية لأبنائنا . لم أسمع في يوم أنه صدر حكم من المحكمة يطلب مستشارين وفنيين للكشف عن حوادث متكررة لإحدى الشركات أو لأحد الموديلات .

نموذج من النماذج: إحدى الصديقات أخبرتني أن سيارتها التي كانت تستخدمها، من دون ذكر اسم الشركة رغم اسمها العالمي، تعطلت أبوابها إلى درجة أنها لا تغلق بسهولة ويحدث هذا على وجه التحديد صيفاً، وبإرسالها للشركة الوكيلة محلياً، تبين أنه خطأ في المصنعية باعتراف الشركة، وتم تصليحها مجاناً، لكن العطل تكرر في الصيف الذي بعده وللسبب ذاته، ورفضت الشركة تصليحه فاضطرت لتصليحها على حسابها، حيث كلفها ذلك أكثر من عشرة آلاف درهم . وتكرر العطل الصيف الذي بعده، وأخذتها إلى شركة وكيلة لذات شركة السيارات فقامت بتصليح العطل ولم يكلفها أكثر من ألف وخمسمائة درهم .

الكلام غير منطقي ولا يصدق وشيء أقرب من الخيال، لكن هذه هي الحقيقة، فمن يرد للناس ما تخسره؟

[email protected]

14 أبريل 2010
وحش الجريمة

الجريمة اليوم وحش دخيل على مجتمعنا يقض مضاجعنا، بعدما كنا ننعم بالأمان إلى فترة ليست بقليلة .

الجريمة ازدادت في الفترة الأخيرة بشكل يشيّب شعر الرأس، والجرائم التي توردها صفحات داخلية بشكل يومي، والتي لم نكن نسمع عنها إلا في الأفلام، أصبحت تتداول على مستوى عصابات محترفة، جرائم غرام وانتقام، وجرائم شذوذ، جرائم تحمل في طياتها حرفية على أعلى مستوى .

هل نطارد خلل التركيبة السكانية، ونبحث عن السبب؟

احصائية جديدة تقول إنه في 2010 فقط ستبلغ الزيادة السكانية في دولة الإمارات أكثر من مليون ومائتي ألف نسمة، والحسبة غير منطقية إلا في حالة واحدة أن الزيادة ترتكز على القادمين من الخارج .

من المجرم الحقيقي على هذه الأرض؟ هو الذي ترك عمالته في شوارع المدن والإمارات، يتسكعون عند كل زاوية وشارع وحارة، يطرقون الأبواب، يتحرشون بالخادمات، يعترضون النساء في الأسواق، يتسوّلون؟ من ترك هذه العمالة تسير كقافلة نمل لا نرى أول نملة ولا آخرها من الطابور، يحفرون سراديبهم في كل ركن ويدسّون سمومهم؟

هل المسؤول هو الشركات التي تترك عمالها يبحثون عن عمل في الشوارع من دون إبلاغ؟ هذه العمالة السائبة التي لا تملك المال، ولا تستطيع أن تعود إلى بلدها، هي مشروع مجرم محترف أياً كانت طبيعة جريمته، فهو إما سارق، أو مغتصب قاتل، أو عضو في عصابة متخصصة في هذا كله .

من المسؤول؟ صاحب الشركة، أم وزارة العمل التي لم تتابع خط سير واتجاه هذه العمالة، وسؤال رب العمل عن وجهة العمال، أم دائرة الهجرة والجوازات التي لم تلزم رب العمل بتقديم كشف عن العمالة المنتهية إقامتهم ومتابعتهم حتى ترحيلهم، أم المواطنون والمقيمون وأصحاب الشركات وأصحاب المزارع الذين يعينون العمال والخدم والموظفين دون نقل ملكيتهم من كفيلهم؟ ويبقى الصمت مخيماً على الكفيل بعد تسريح العامل حتى لا يكشف أمره ويجد في إيواء عماله بشكل غير قانوني حلاً عملياً لا يكلفه شيئاً، ومن الجانب الآخر رب العمل الجديد الذي آوى عاملاً بشكل غير قانوني حتى لا يتحمل نفقات الكفالة والمسؤولية .

الأمر أصبح مستفحلاً بدرجة لا يمكن السكوت عنها، خاصة بعدما اكتشفنا أن هناك صالونات نسائية عيّنت موظفات هاربات من كفلائهن، تبين في ما بعد أنهم رجااااااااااااااااااااااااال .

[email protected]

7 أبريل 2010
نحن لأنفسنا

ارتباط أطرافنا بجسدنا ليس فقط بعضلات وأعصاب وشرايين وعظام، ومجموعة أعضاء محشورة في كيس جلدي ترتبط ببعضها بعضاً بأنابيب يجري فيها سائل ساخن أحمر اللون . هناك أشياء تتملكنا، نعيها ولا نعيها، نكاد نلمسها وتتفلت منا، نكاد نراها وتخوننا قدراتنا المتواضعة على اقتناصها .

نحن مزيج متجانس من أشياء نعرفها وأشياء لا نعرفها، وثقافتنا المتواضعة تسمي الأشياء التي نعرفها بمسمياتها، والتي لا نعرفها نختلق لها مسميات جديدة حسب مزاجيتنا ورغباتنا، لغة نبتدعها ومن ثم تتحول بالممارسة والزمن إلى لغة مستحدثة أو حداثية، كلمات نلونها ونشكلها ونستخرج لها كل التفعيلات والصفات والمسميات .

كينونتنا المادية لها خبراؤها المختصون المتخصصون الذين يتحفوننا في كل علة بما لا نفهمه ولا نفقهه، وحين يتملكنا العجز عن معرفة الروابط الخفية فيه نستسلم للحلول الجاهزة من دون نقاش، نتقبل حتى المرارة، مع أننا نشتكيها في أغلب الأحيان .

لماذا نتقبل مرارة الدواء بحجة التعافي مع أننا تقتلنا مرارة الفراق؟ لماذا نستسلم لمبضع الجراح لإزالة أي ورم أو إصلاح أي خلل، ولا نتحمل اكتشاف جرح الآخر حتى لو كان هذا الجرح يكشف عن أورام مدسوسة من الآخرين في علاقاتنا الفاشلة، رغم أن هذا الجرح قد يصلح خللاً في هذه العلاقات وإزالتها أو إزالة العلاقة ذاتها من أساسها؟

لماذا نستغيث ونحن نغرق في خضم البحر، ونستمتع بغرقنا حتى الموت في قاع الحب؟ لماذا نحن أقوياء في الكره ضعفاء في الحب؟ لماذا يجبرنا البعض على اللجوء إلى الكذب أو السرية في أجمل العلاقات وأسماها، والإعلان عن أسخف وأتفه العلاقات؟ لماذا نبكي على الذين يغادروننا إلى الموت ولم نفكر فيهم حين غادرناهم في الحياة؟

لماذا صوتنا يعلو بالباطل ويختفي في الحق؟ لماذا نتبجح بالغرور والعنجهية والحقد والحسد والأنانية، ونستحي من التواضع والإيثار والعطاء؟ لماذا نشعر بالزهو حين نغلق الأبواب في وجه الآخرين، ونشعر بالمهانة حين يغلق أحدهم بابه في وجهنا؟ لماذا نعطي كل ما لدينا وأجمله للغرباء ونشح به على الأقرباء؟ لماذا نتكالب على إرضاء أعدائنا حتى لو نحرنا عند أقدامهم أقرباءنا وأصدقاءنا؟

لماذا نعيش كل هذه الازدواجية والتضارب في تقييم الأشياء والعلاقات والمشاعر، ونفصل الأشياء عن ذاتها، والأسماء عن مسمياتها إرضاء للآخرين؟ لماذا نستسلم لمعايير ومقاييس الآخرين في ما يخصنا ويملكنا ويحكمنا؟ لم لا نفكر ولو مرة واحدة، مرة واحدة فقط في تاريخ حياتنا، أن نكون لأنفسنا قبل أن نكون للآخرين؟

[email protected]

31 مارس 2010
جريمة تربوية

لم يمر عليًّ في تاريخ عملي التربوي وجود قانون يسن عقوبة اسمها قص شعر طالبة لم تتجاوز التاسعة من عمرها أمام زميلاتها ومدرساتها، ولا حتى أكبر عمراً من ذلك . الطامة الكبرى أن هذا العقاب سنته مديرة مدرسة، والخبر ينزل على المجتمع الإماراتي كالصاعقة .

بناء عليه، تحرك مجلس أبوظبي للتعليم بقرار إنهاء خدمة مديرة المدرسة، والتحقيق الذي أجراه المجلس يكشف عن أمر غاية في الخطورة، وهو أن مديرة المدرسة اعتادت تهديد الطالبات باستخدام قص الشعر كعقوبة تربوية . وقد أقرت المديرة بدورها بارتكاب هذا العمل . والمجتمع يشكر مجلس أبوظبي للتعليم على قراره الصائب .

لكن، لا بد من وقفة متأنية في حقيقة الفعل ورد الفعل، والقانون والعقوبة والنتائج المترتبة عليها . وإن سنّت المديرة هذه العقوبة من دون أن نعرف على أي سند قانوني اعتمدت في اتخاذها وتنفيذها، فلا بد من أن تعرف أن العقوبة كانت أقبح بكثير من ذنب الطالبة .

في حيثيات الحادثة أن الطالبة التي لم تتجاوز التاسعة من عمرها، تركت غرّتها تطول حتى أخذت تغطي عينيها وتشغلها عن التركيز في الفصل، فما كان من المربية الفاضلة إلا أن تأتي بالمقص وتقص غرتها أمام زميلات الطالبة ومدرساتها، ولا يوجد هناك أي فرق بين مديرة مواطنة أو وافدة أو أجنبية، المؤسسات التعليمية عليها أن تعزز في الطالب إنسانيته وكرامته وكبرياءه، وعقوبة قص شعر الطالبة هي النار التي تحرق وتشوه كل ما ذكرته سابقاً .

حادثة أو على وجه التحديد جريمة يرتكبها مربٍّ أول ما يوصف به أنه مربٍّ فاضل، لكن في الفترة الأخيرة، وربما بسبب تمرد الطلبة وعنفهم واستفزازهم للمدرسين تحول بعض التربويين إلى بلطجية بمعنى الكلمة .

المديرة قصت شعر الطالبة بالأمس، وقبلها مدرس يصفع طالباً على أذنه ويفجر طبلة الأذن، ولم تغب عن ذاكرتنا جريمة مدرس في بلد عربي يفقأ عين طفل بسبب رشفة ماء، والأمثلة كثيرة .

قص شعر، صفع، فقء عين، كسر ضلع، ضرب رأس في الحائط، جروح لا تلتئم، سب وشتم ولعن، هذه أصبحت أهم المهارات التي يجب أن يوثقها بعض المدرسين في سيرهم الذاتية هذه الأيام، ولا بد من توثيق هذه المهارات بالصور وشهادة موثقة من جهة أمنية ومستشفى واثنين شهود .

هل كان العقاب درساً للمديرة ورادعاً لباقي التربويين كي لا تتكرر هذه المآسي مرة ثانية؟ قد تكون في أنظمة المؤسسات التعليمية هذه عقوبة لمصلحة المؤسسات التربوية أو ما نسميه الحق العام ويجب أن يحفظ، لكن لم يكن كذلك للطفلة وكان لا بد من عقوبة صارمة لتحقيق القصاص الذي يحقق الكبرياء والحياة الكريمة للطالبة . قال الله تعالى: وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالعَيْنَ بِالعَيْنِ والأنف بالأنف والأذن بالأذن وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ .

[email protected]