لا أحد يعرف بالضبط الرقم الفعلي للعاطلين عن العمل في سلطنة عمان بالمعنى الدقيق، فقد تباينت الأرقام الصادرة من جهات عدة ذهب بعضها إلى القول إن العدد يناهز الثلاثمئة ألف مواطن ومواطنة، لكن الأمل ينعقد على بيان رسمي يصدر للكافة عن الهيئة العامة لسجل القوى العاملة التي بذلت جهوداً لأشهر عدة من أجل الوصول إلى حصر دقيق للعاطلين الفعليين عن عمل بالتعاون مع مكاتب الولاة في مختلف المحافظات حتى انتهت من ذلك بالفعل، لكنها لاتزال في مرحلة التدقيق والمراجعة التي يأمل الجميع ألا تطول أكثر من ذلك حتى لاتبقى القضية مجالاً خصباً للمزايدات والمناقصات الكلامية التي يستمتع هواتها بإثارتها بين الحين والآخر .
أجهزة الدولة المختلفة انشغلت بالبحث في كيفية تبني إجراءات عملية لتنفيذ توجيهات السلطان قابوس القاضية بتشغيل عشرات آلاف المواطنين سواء في مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية والأمنية أو في القطاع الخاص، وهو ما كان دافعاً لنشاطات مكثفة خلال الأيام والأسابيع الماضية على مسارات عديدة، من أهمها ذلك اللقاء الذي جمع بين نائب رئيس الوزراء لشؤون مجلس الوزراء من جانب وكبار رجال القطاع الخاص وأصحاب الأعمال من جانب آخر، والذي نحسب أنه كان تحفيزياً لهؤلاء على ضرورة استيعاب الباحثين عن عمل في مؤسساتهم وشركاتهم الكبرى باعتبارها الأكثر قدرة على تحمل ما قد يعدونه تضحيات .
والاجتماع المشترك بين مكتب مجلس الشورى وكل من وزيري القوى العاملة والخدمة المدنية والرئيس التنفيذي للهيئة العامة لسجل القوى العاملة جاء هو الأخر ضمن نفس السياق، خاصة بعد انتهاء أعمال اللجنة التي كان قد شكلها المجلس لبحث القضية لكونها ذات أبعاد اجتماعية واقتصادية وأمنية إلى توصيات ومرئيات تضمنت رؤى وحلولاً آنية ومستقبلية تتعلق بسياسات التوظيف ومراجعتها وتوفير قاعدة بيانات دقيقة وواضحة ومتكاملة بشأن أعدادهم وفئاتهم، ووضع جدول زمني واضح لشغل الوظائف المعلن عنها بموجب التوجيهات السلطانية، وتقديم الحوافز لتشجيع العمانيين على الالتحاق بالعمل في شركات ومؤسسات القطاع الخاص والاستقرار فيها، والتي يأتي في صدارتها رفع سقف الأجور والعمل على مقاربة المستحقات التقاعدية والمنافع التأمينية والإجازات بين القطاعين العام والخاص، ووضع إستراتيجية وخطة وطنية للتعليم بأنواعه وتطوير برامج التدريب والتأهيل، والتأكيد على ضرورة تطوير الأنظمة التقاعدية في القطاعين بما يحقق الاستقرار الوظيفي ويشجع المواطن على التوجه إلى أي منهما دون فوارق، وأهمية ضم أصحاب الحرف إلى صندوق التأمينات الاجتماعية لتوفير الأمن الاجتماعي والضماني لهم أسوة بالعاملين الآخرين في الحكومة والقطاع الخاص، والمؤشرات الأولية لنتائج عمليات حصر العاطلين عن العمل، والآليات التي سيتم من خلالها توظيف هذه الأعداد وتوزيعهم على قطاعات العمل المختلفة .
جهود مقدرة وتوصيات جديرة بالاهتمام والمتابعة، لكن التحديات والصعوبات التي تعترض برامج وخطط التشغيل الحالية والمستقبلية بحاجة كذلك إلى دراسات معمقة ورؤية مستقبلية تأخذ بعين الاعتبار ضرورة الربط بين المخرجات التراكمية السنوية لمنظومة التعليم والتدريب والتأهيل التي تفوق العشرين ألف مواطن ومواطنة من ناحية واحتياجات سوق العمل من ناحية أخرى، مع ضرورة البحث في كيفية معالجة النفوس المأزومة للشباب العماني تجاه العمل بمؤسسات القطاع الخاص، وهي الأزمة التي تكشف عمقها أرقام رسمية تشير إلى نزوح خمسة وثمانين ألف مواطن ومواطنة من بين اثنين وتسعين ألفاً تم تعيينهم خلال العام الماضي سواء كان ذلك من خلال الاستقالات أو إنهاء الخدمات لعدم الكفاءة، ما يعني أن مؤشرات الدوران الوظيفي إلى تصاعد، وأن الحاجة باتت ملحة لإقناع المهاجرين من القطاع الخاص بأن الطريق إلى الوظيفة الحكومية لم يعد ممهداً .
واذا كان صحيحاً أن التشخيص الدقيق للمشكلة هو نصف الطريق إلى علاجها، فمن الصعب الوصول إلى حلول عملية وعلمية لتلك القضية ما لم يكن متاحاً ومعلناً الرقم الصحيح الذي يعكس الحجم الفعلي للمشكلة بأبعادها المختلفة حتى يتمكن المعنيون من تحديد السبل الملائمة للتعامل معها والأدوات الناجعة لمواجهتها أو حصارها على الأقل بعيداً عن المسكنات التي قد تكون أضرارها أشد وطأة من منافعها .