على الرغم من لهيب الغضب الذي أججته جرائم الحرب الإسرائيلية الوحشية، التي صدمت المشاعر الإنسانية لدى شعوب هذا الكوكب الأرضي على اختلاف أعراقها ومعتقداتها وثقافاتها، وهي تستعرض الإسرائيليين كصورة قادمة من الجحيم، ومستنسخة لمغول القرن الحادي والعشرين على شكل فاق همجية المغول، وعنصرية النازية بألف ضعف، بالرغم من كل هذا مما لا نطيق احتماله، سنعقد ألسنتنا عن الحديث لدرء الشبهة عن حديثنا حول حقيقة إسرائيل بأنها لون من الشتائم، لذلك سوف نعرض ما يقوله واحد منهم.

المراجعة الموجزة لسجل إسرائيل خلال العقود الأربعة الماضية تجعل من الصعب مقاومة الاستنتاج بأنها أصبحت دولة مارقة ذات مجموعة من القادة ليس لديهم أي وازع أخلاقي اطلاقاً. هذا ما ورد في مقال كتبه آفي شلايم (Avi shlaim) أستاذ العلاقات الدولية في جامعة أوكسفورد. وشلايم يهودي من مواليد العراق (1945)، ومزدوج الجنسية إسرائيلي بريطاني، وأدى الخدمة العسكرية في الجيش الاسرائيلي في ستينات القرن الماضي، وشهد له ادوارد سعيد بأن كتابه الجدار الحديدي علامة بارزة في الدراسة المعاصرة للشرق الأوسط.

وقال شلايم عن إسرائيل (وهو ليس ناطقاً باسم حماس أو الجهاد الإسلامي) إنها مارقة، تنتهك القانون الدولي انتهاكاً منتظماً، وتمتلك أسلحة دمار شامل، وتمارس الإرهاب باستخدام العنف ضد المدنيين لغايات سياسية. وإن هدف إسرائيل الحقيقي ليس التعايش السلمي مع جيرانها الفلسطينيين، وإنما الهيمنة العسكرية عليهم. وهي تواصل مراكمة أخطاء الماضي بأخطاء جديدة وأكثر كارثية.

في ما يتعلق بطبيعة إسرائيل العنصرية العدوانية والوحشية، سوف نضع دير ياسين (1948)، وقبية (1953) في أعماق الذاكرة، ونستعيد ما استجد منها فيما بعد. ففي العام ،1967 عام النكسة، لم تكن الضفة الغربية ولا قطاع غزة يهددان أمن إسرائيل، بل جرى احتلالهما والاستغوال في استيطانهما، وإنما بسبب مطامع جغرافية على الطريق لإقامة إسرائيل الكبرى. وفي العام 1982 سقط أكثر من 17 ألف ضحية في اجتياح لبنان بالإضافة الى 1700 هم ضحايا صبرا وشاتيلا، ومذبحة قانا (1996)، ثم سقوط 1000 شهيد معظمهم من المدنيين خلال القصف الاسرائيلي في حرب لبنان الثانية صيف 2006. وها هم ضحايا حرب شتاء غزة 2008/،2009 الذين تتجاوز أعدادهم المئات من الشهداء والآلاف من الجرحى بالإضافة الى من لم يتم إحصاؤهم بعد.

لم نتصور أن حرب لبنان الثانية في صيف ،2006 قد غرست الخوف الجنوني (Phobia) من الزوال في أعماق النفسية الإسرائيلية إلى ذلك الحد، مما دفعهم الى هذا المستوى من الجنون الوحشي الذي بدا في محاولة إبادة الآخر في هذه الحرب العدوانية، الجنونية كذلك، التي اشتعلت في شتاء 2008/2009 ضد قطاع غزة.

أما الدروس المستفادة من حرب الصيف اللبناني في حرب الشتاء الفلسطيني فهي قصف مدرسة أسماء في غزة يوم الاثنين 5/1/،2009 ومدرسة الفاخورة في جباليا يوم الثلاثاء 6/1/،2009 ومدرسة الشوكة في رفح يوم الأربعاء 7/1/2009. وقصف سيارات الإسعاف وقتل الأطباء والمسعفين، وتدمير البيوت فوق ساكنيها من الأطفال والنساء المرضعات والحوامل، والشبان والشابات، والشيوخ من الأجداد والجدات.

ومع ذلك فإن الخوف مغروس عميقاً في نفوس الإسرائيليين ولا يغادرها، حيث يقول المراسل العسكري الإسرائيلي أليكس فيشمان عن حرب الشوارع إن ما ينتظرنا هناك هو منازل مفخخة، وقنابل بشرية كامنة، وصواريخ مضادة للدبابات، وقناصة والمعارك الأكثر قسوة ما زالت هناك. ويقول الخبير العسكري أفرائيم كام الآن وقد دخلنا غزة علينا أن نحرص أن لا نبقى في المدينة لفترة طويلة. أما جنرال الاحتياط عوزي دايان المساعد السابق لرئيس الأركان، فقال هو الآخر يجب عدم الدخول الى المناطق المدنية إلا في حالة الضرورة القصوى، حيث تكثر فيها المجابهات وجهاً لوجه، وتنطوي باستمرار على مخاطر وقوع عمليات خطف.

إنه الإرهاب الإسرائيلي.. الذي يظل الإرهاب الجبان.