لم تُمتَهن لغة، وتذل وتصبحْ نكرةً غريبةً في وطنها وبين أبنائها في قُطْرٍ من الأقطار إلاّ اللغة العربية هنا في الإمارات العربية المتحدة!! علماً أن الدستور يقول: إن اللغة العربية هي لغة البلاد والعباد، وقرار مجلس الوزراء الغريب حول اللغة العربية أكّدَ ذلك، ولكن الأمر على أرض الواقع يختلف اختلافاً كلياً عمّا هو مقرر في الدستور، وقرار مجلس الوزراء . أما لماذا وكيف، فالجواب يكمن في المنهج التعليمي العقيم، المُؤْثِر للرطانة على لغة القرآن الكريم . إنني في أمس الحاجة إلى من يُطْلِعُني على نتيجة إيجابية واحدة فقط تأتي بها المؤتمرات والندوات التي نسمع عنها، ونقرأ محاوراتها بين الحين والآخر، وهي تناقش وضع اللغة العربية وحالها في بلادنا .
والغريب المريب، أن جوائز القرآن الكريم في طول البلاد وعرضها، والبرامج الإذاعية المرئية منها والمسموع تبث على مدار الساعة، ما يدل على الاهتمام باللغة العربية، لكن يبدو أن القومَ غاطّون في سباتٍ أعمق من سبات أهل الكهف، مسؤولهم وغير مسؤول، فالرطانة في كل زاوية من زوايا مدن وقرى البلاد، ناهيك بأسماء المحالّ التجارية وأغلبها أعجمية، بل إن بعضها لا تعرف منها سوى الحروف العربية أما المعنى فَطَلْسَم!! والمضحك المبكي في آن، أن مؤسسات حكومية بعينها وشبه حكومية لا تتعامل في مراسلاتها الداخلية إلا باللغة الأجنبية والإنجليزية تحديداً . أما البنوك والمحال و(المولات) فَقل أن تجد فيها من يتحدث بلغة البلاد، أو يجيد وضع ديباجة رسالة باللهجة المحكية محلياً .
ظاهرة غريبة عجيبة أصبحت ديدنَ الأغلبية في كل مكان، من النوادي الرياضية إلى مجالس السمر، أما الشوارع فحدث ولا حرج، فأنت لا تسمع فيها إلا الرطانة فقط لا غير .
يسافر الإنسان في شتى بلدان المعمورة، فيراها كلها تقريباً تحتفي بلغاتها الأم، من أسماء المحال التجارية إلى المكتبات العامة، وفي المطارات والموانئ، وعلى متون الطائرات والقطارات وحافلات النقل . . إلخ، إلا هذه البلاد . . الإمارات العربية المتحدة، فلا اكتراث باللغة الأم ولا غيرة عليها، شأنها شأن غرائب الإبل، والسبب كما قلت آنفاً المنهج التعليمي الركيك الذي تسبب في إضعاف الشعور القومي، وأوهن حس الانتماء بالوطنية، واللغة أهم العوامل التي تذكي هذا الحس .
في عهد نابليون الثالث (القرن التاسع عشر) والذي اشتهر بشق قناة السويس، وجّه وزير بلاطه دعوة إلى وجهاء باريس لحضور وليمة عشاء يقيمها نابليون في قصر التوليري، وكانت اللغة الإيطالية هي اللغة التي كتبت بها الدعوة، وقد وصلت نسخة منها إلى شاعر فرنسا المشهور في حينه وإلى اليوم (فيكتور هيغو) مؤلف الرواية الشهيرة (البؤساء)، فما كان من الشاعر إلا أن قام بنشر الدعوة في الصحافة الباريسية معلقاً عليها بالسؤال الآتي: هل أصبحت باريس مقاطعة إيطالية؟ الأمر الذي أثار حفيظة الفرنسيين وألهب مشاعر الوطنية فيهم، غيرةً على لغتهم الأم واستنكاراً للغة الدعوة، فجابوا شوارع باريس محتجين على وزير البلاط، ومطالبين بإقالته، وكانت النتيجة استقالة الحكومة بسائر أعضائها، أما وزير البلاط فقد اتهم بالخيانة العظمى وحكم عليه بالسجن مدى الحياة .
هكذا تثور الشعوب الحية لكرامتها، إذا ما أحسّت بشيء من الإهانة قد تلحق بها نتيجة تصرف أرعن أو غير محسوب حتى، فمتى يا تُرى نستيقظ نحن العرب في الإمارات من سباتنا ونَشْرعُ في تحصين لغتنا ضد العبث والغبن الواقعين عليها، ونفضحُ ما يحاكُ لها من ائتمار، وما تُعامَل به من عقوق يقابلُ به الأبناءُ والحفداءُ تراثَ الأجداد والآباء، وما يُبيتُ لها من مكائد، ترمي إلى ازدرائها وإلغائها؟
وخلاصة الرأي عندي، أن أعجب ما يثير عجبي، أن أُخاطَبَ بغير لغتي على تراب وطني، وبين أهلي، كأنني أحيا بين قومٍ ليسوا مني، والأعجب من ذلك هو أن تُخاطِبَكَ دائرة رسمية بغير لغتك الأم، مخالفةً ما أقره الدستور بالقول الصحيح الفصيح . أفلا يتصدى لهذا المسلك المشبوه (فيكتور هيغو) عربي؟ أو (أبو الطيب) إماراتي يحذر الغافلين مما يُدَبّر لهم؟ فينشد ما أنشده المتنبي قبل ألف عام في شِعْبِ بوان:
ولكن الفتى العربي فيها
غريبُ الوجه واليدِ واللسانِ
لعلنا نكشف عنّا كُرْبة الغربة ونحن في وطننا، ونحمي القلعة الوحيدة التي نعتصم بها من سيول التغريب والعولمة، بعد أن تهاوت القلاع الأخرى . لهذا يجب التأكيد والتشديد على: نحن العرب في الإمارات، لأن ماحَك جِلْدكَ مثل ظفرك، ولأن الأم لا يلبي استغاثتها إلا أبناؤها، وكذلك الوطن لا يحمي مقدّراته تليدها وحديثها إلا أهله، أما غير أهله فشأنهم شأن وزير نابليون آنف الذكر والذي كانت أمه إيطالية الأصل .