انزلقت دول "الثورات العربية" في معظمها في أتون الفوضى، وتحولت الأحلام بالديمقراطية إلى كوابيس تقض مضاجع الشعوب العربية في تلك الدول . ففي ليبيا وهي إحدى الدول التي انتصرت فيها "الثورة"، وحقق فيها الشعب إرادته بتغيير النظام المستبد كما كان يعتقد، أصبحت حياة الناس في خطر داهم، فالأمن معدوم والميليشيات المسلحة بالأسلحة المختلفة تجوب البلاد طولاً وعرضاً، فتنهب وتسرق وتقتل وتعتدي على الحرمات، وعلى الأبرياء دون أن يرف لها جفن، أو تشعر بأدنى مسؤولية تجاه ذلك الشعب المغلوب على أمره .
وفي يوم الجمعة 15-11-،2013 وامتثالاً لأمر الوعاظ في المساجد الذين دعوا المصلين إلى التظاهر ضد الميليشيات، فقد خرجت تظاهرة في العاصمة طرابلس، واجهها المسلحون بإطلاق النار فقتلوا أكثر من ثلاثين وجرحوا أكثر من ثلاثمئة ليبيّ، ومرت الأحداث كأن شيئاً لم يقع، كما مر حادث اختطاف رئيس الوزراء نفسه من قبل ثم اختطاف نائب جهاز المخابرات العامة العقيد مصطفى نوح يوم الثلاثاء الماضي عقب عودته من الخارج، وكأن هؤلاء الذين سقطوا مجرد أرقام لا قيمة لهم .
الدولة الليبية غائبة تماماً عن المشهد، ولا يوجد سوى حكومة شكلية، لا تملك أية سلطة على أرض الواقع، وقد بلغت هذه الحكومة من الضعف إلى الحد الذي دفع رئيسها علي زيدان إلى التحذير "من تدخل محتمل لقوات احتلال أجنبي في حال استمرت الفوضى السائدة في البلاد" . وقال زيدان: "المجتمع الدولي لن يتركنا هكذا منطقة في وسط البحر المتوسط مصدراً للإرهاب والقلاقل والعنف" . وأضاف: "ما زلنا تحت القرار 1970 الذي صدر لحماية المدنيين، وأي شخص يخرج بسلاحه ويقتل المدنيين ويعتدي على المدنيين، وهذا ليس تهديداً ولكنه شرح للواقع وقد يتجه المجتمع الدولي لهذا الأمر" .
بالطبع ما قاله رئيس الوزراء الليبي لا ينطلي على أحد، لأنه يعلم تمام العلم أنه لن تأتي أية قوة في العالم، لنجدة الشعب الليبي مما هو فيه، وعلى هذا الشعب أن يبادر هو إلى اتباع طريق الخلاص، فمن السخف الزعم أن ما حدث في ليبيا كان ثورة، لأن ما حدث كان فوضى .
فبعد أكثر من عامين على إسقاط نظام القذافي، لا تزال هذه الدولة مرتعاً للتنظيمات المسلحة، وساحة لتصفية الحسابات، وموئلاً للمجرمين وقاطعي السبل، وكان من المنتظر أن تضع الميليشيات سلاحها بعد انتهاء المعركة بإسقاط النظام، وخاصة بعد مقتل رأس النظام، لكن هذه الميليشيات فعلت العكس، والسبب يعود إلى أن المنتمين إليها ليسوا ثواراً بالمعنى المتعارف عليه سياسياً، فلكل ثورة أهداف، ليس من بينها أبداً، إشاعة الفوضى، واستمرار حالة عدم الاستقرار . أما هؤلاء الذين يزعمون أنهم ثوار فلم تكن لهم استراتيجية واضحة، ولا أيديولوجية ينطلقون منها، بل تحكمت بهم غريزة القتل والانتقام، ومن ثم تحكمت بهم الأفكار المتطرفة والإرهاب وشرائع الخوف والعنف ويدفع ثمنه غالباً اليوم الشعب الليبي .
وشتان بين ما حدث في ليبيا، وما حدث في الجزائر إبان ثورتها ضد المستعمر الفرنسي، فقد كانت جبهة التحرير الوطني الجزائرية تمثل مصالح الشعب الجزائري، وقد أصدرت بياناً بعد قيامها بالثورة في الفاتح من نوفمبر عام ،1954 شرحت فيه أفكارها ومبادئها ورؤاها المستقبلية، وقامت بالتخطيط بدقة لكل مرحلة، وأخذت بيد الشعب الجزائري إلى الاستقلال الكامل عام ،1962 وبعد الاستقلال ألقى الثوار أسلحتهم، ومنهم من انضموا إلى الجيش الوطني الجزائري، ما أشاع الأمن والاستقرار في ربوع الجزائر، أما في ليبيا، فبعد إسقاط النظام وتحطيم الدولة، انفلت "الثوار" من عقالهم، وأعجبتهم الحياة خارج سلطة القانون، فهم القانون، وهم الدولة، وأصبح لكل مجموعة منهم أمير يزعم لنفسه الشرعية الدينية، وأصبحت قراراته ماضية كالسيف تُغلف بثياب الفتوى، حتى تضخمت المؤسسة الدينية المتطرفة عبر استقطاعات تاريخية وتحليلية، ما أدى إلى تصاعد الدور السيادي للمتشددين والمتطرفين المتأسلمين، وأخذ أشكالاً عدة بسبب تأثير المقدسّ في الاستقطاعات داخل المجتمع، وبمنهجية الاتساقات الاستنباطية واللاعقلانية على مستوى القيم والتصورات والتقسيمات الاجتماعية، ما زاد من اتساع حجم الفجوة بين سلطة الدولة والأصوليين المتطرفين، حيث مهد الطريق بعد الثورة للفراغ السياسي والأمني وتدمير الدولة الليبية .
إن من يعتقد أن ليبيا ستعود دولة طبيعية مستقرة هم الحالمون لا الواقعيون، لأن المقدمات تنبئ عن فوضى سيطول أمدها، وإن كنا لا نتمنى ذلك، في هذه الدولة، وقد ينتهي الأمر بتقسيمها إلى دويلات متعددة، ما لم تُعلِ كل الأطراف المخلصة، من الشعب الليبي، من مصلحة الشعب الليبي، فتصبح مصلحة ليبيا، من أمن واستقرار وتوافق ورؤية واضحة للمستقبل، فوق مصالح كل القوى الليبية، بمختلف انتماءاتها الأيديولوجية، والعرقية، والإقليمية . وينبغي أن تكون الخطوة الأولى هي تسليم تلك الميليشيات كل أسلحتها، وأن ينضوي من يشاء منهم تحت لواء جيش قوي موحد، يحفظ أمن ليبيا، ويصون وحدة أراضيها، وأن يبتعد الجيش عن الطائفية والإقليمية، وتكون الكفاءة هي معيار انتقاء العناصر القادرة على تأسيس جيش قوي توكل إليه مهمة حفظ الأمن الداخلي، حتى تسترد الدولة عافيتها، ويتفرغ السياسيون لبناء دستور جديد، وتأسيس دولة حديثة بذل من أجلها الثوار الحقيقيون دماءهم الطاهرة .
[email protected]
لم تُمتَهن لغة، وتذل وتصبحْ نكرةً غريبةً في وطنها وبين أبنائها في قُطْرٍ من الأقطار إلاّ اللغة العربية هنا في الإمارات العربية المتحدة!! علماً أن الدستور يقول: إن اللغة العربية هي لغة البلاد والعباد، وقرار مجلس الوزراء الغريب حول اللغة العربية أكّدَ ذلك، ولكن الأمر على أرض الواقع يختلف اختلافاً كلياً عمّا هو مقرر في الدستور، وقرار مجلس الوزراء . أما لماذا وكيف، فالجواب يكمن في المنهج التعليمي العقيم، المُؤْثِر للرطانة على لغة القرآن الكريم . إنني في أمس الحاجة إلى من يُطْلِعُني على نتيجة إيجابية واحدة فقط تأتي بها المؤتمرات والندوات التي نسمع عنها، ونقرأ محاوراتها بين الحين والآخر، وهي تناقش وضع اللغة العربية وحالها في بلادنا .
والغريب المريب، أن جوائز القرآن الكريم في طول البلاد وعرضها، والبرامج الإذاعية المرئية منها والمسموع تبث على مدار الساعة، ما يدل على الاهتمام باللغة العربية، لكن يبدو أن القومَ غاطّون في سباتٍ أعمق من سبات أهل الكهف، مسؤولهم وغير مسؤول، فالرطانة في كل زاوية من زوايا مدن وقرى البلاد، ناهيك بأسماء المحالّ التجارية وأغلبها أعجمية، بل إن بعضها لا تعرف منها سوى الحروف العربية أما المعنى فَطَلْسَم!! والمضحك المبكي في آن، أن مؤسسات حكومية بعينها وشبه حكومية لا تتعامل في مراسلاتها الداخلية إلا باللغة الأجنبية والإنجليزية تحديداً . أما البنوك والمحال و(المولات) فَقل أن تجد فيها من يتحدث بلغة البلاد، أو يجيد وضع ديباجة رسالة باللهجة المحكية محلياً .
ظاهرة غريبة عجيبة أصبحت ديدنَ الأغلبية في كل مكان، من النوادي الرياضية إلى مجالس السمر، أما الشوارع فحدث ولا حرج، فأنت لا تسمع فيها إلا الرطانة فقط لا غير .
يسافر الإنسان في شتى بلدان المعمورة، فيراها كلها تقريباً تحتفي بلغاتها الأم، من أسماء المحال التجارية إلى المكتبات العامة، وفي المطارات والموانئ، وعلى متون الطائرات والقطارات وحافلات النقل . . إلخ، إلا هذه البلاد . . الإمارات العربية المتحدة، فلا اكتراث باللغة الأم ولا غيرة عليها، شأنها شأن غرائب الإبل، والسبب كما قلت آنفاً المنهج التعليمي الركيك الذي تسبب في إضعاف الشعور القومي، وأوهن حس الانتماء بالوطنية، واللغة أهم العوامل التي تذكي هذا الحس .
في عهد نابليون الثالث (القرن التاسع عشر) والذي اشتهر بشق قناة السويس، وجّه وزير بلاطه دعوة إلى وجهاء باريس لحضور وليمة عشاء يقيمها نابليون في قصر التوليري، وكانت اللغة الإيطالية هي اللغة التي كتبت بها الدعوة، وقد وصلت نسخة منها إلى شاعر فرنسا المشهور في حينه وإلى اليوم (فيكتور هيغو) مؤلف الرواية الشهيرة (البؤساء)، فما كان من الشاعر إلا أن قام بنشر الدعوة في الصحافة الباريسية معلقاً عليها بالسؤال الآتي: هل أصبحت باريس مقاطعة إيطالية؟ الأمر الذي أثار حفيظة الفرنسيين وألهب مشاعر الوطنية فيهم، غيرةً على لغتهم الأم واستنكاراً للغة الدعوة، فجابوا شوارع باريس محتجين على وزير البلاط، ومطالبين بإقالته، وكانت النتيجة استقالة الحكومة بسائر أعضائها، أما وزير البلاط فقد اتهم بالخيانة العظمى وحكم عليه بالسجن مدى الحياة .
هكذا تثور الشعوب الحية لكرامتها، إذا ما أحسّت بشيء من الإهانة قد تلحق بها نتيجة تصرف أرعن أو غير محسوب حتى، فمتى يا تُرى نستيقظ نحن العرب في الإمارات من سباتنا ونَشْرعُ في تحصين لغتنا ضد العبث والغبن الواقعين عليها، ونفضحُ ما يحاكُ لها من ائتمار، وما تُعامَل به من عقوق يقابلُ به الأبناءُ والحفداءُ تراثَ الأجداد والآباء، وما يُبيتُ لها من مكائد، ترمي إلى ازدرائها وإلغائها؟
وخلاصة الرأي عندي، أن أعجب ما يثير عجبي، أن أُخاطَبَ بغير لغتي على تراب وطني، وبين أهلي، كأنني أحيا بين قومٍ ليسوا مني، والأعجب من ذلك هو أن تُخاطِبَكَ دائرة رسمية بغير لغتك الأم، مخالفةً ما أقره الدستور بالقول الصحيح الفصيح . أفلا يتصدى لهذا المسلك المشبوه (فيكتور هيغو) عربي؟ أو (أبو الطيب) إماراتي يحذر الغافلين مما يُدَبّر لهم؟ فينشد ما أنشده المتنبي قبل ألف عام في شِعْبِ بوان:
ولكن الفتى العربي فيها
غريبُ الوجه واليدِ واللسانِ
لعلنا نكشف عنّا كُرْبة الغربة ونحن في وطننا، ونحمي القلعة الوحيدة التي نعتصم بها من سيول التغريب والعولمة، بعد أن تهاوت القلاع الأخرى . لهذا يجب التأكيد والتشديد على: نحن العرب في الإمارات، لأن ماحَك جِلْدكَ مثل ظفرك، ولأن الأم لا يلبي استغاثتها إلا أبناؤها، وكذلك الوطن لا يحمي مقدّراته تليدها وحديثها إلا أهله، أما غير أهله فشأنهم شأن وزير نابليون آنف الذكر والذي كانت أمه إيطالية الأصل .
ليس صحيحاً ما يقوله بعض الناس من أن الإنسان متى توافرت له كامل احتياجاته المادية الأساسية في الحياة، تنعدم لديه الحاجة إلى الثورة أو الانتفاضة حيث إن الإنسان مُيّز عن الحيوان بنعمة العقل، هذه النعمة المنعدمة لدى سائر المخلوقات، كما أنه - أي الإنسان - خلقه الله خليفة في الأرض، وهذه ميزة لا يتمتع بها الحيوان، وكما أن الحيوان يأكل ويشرب، وينام ويفيق، كذلك الإنسان، ولكن شتان بين المخلوقين .
يستطيع الإنسان أن يحد من حركة الحيوان وحريته بحصره في زريبة أو حظيرة أو حديقة حيوان ويعكف على علفه، ومن الطبيعي أن يذعن المخلوق لذلك، لكن هل يمكن تطبيق ذلك على الإنسان من دون أن يحس بالقهر والذل والهوان؟ ومن دون أن يلجأ إلى التماس الحيلة لاستعادة حريته؟ وحرية الإنسان تبدأ بالنطق والتعبير، أي القول ومن ثم الفعل، إنها - أي الحرية - غاية الحياة السياسية والكمال المدني، ولا تكون ولا تكتمل إلا بالفضيلة، والحرية مظهر ذاتي يستعلي فيه الإنسان على جميع القيود والعقد النفسية والاجتماعية . إن الاستهانة بالعقل الإنساني التواق إلى الحرية ضرب من ضروب الجنون والهلوسة، ومهما عظمت المغريات المادية أمام الإنسان السوي فلن يقبل بها طالما بقي رهن التبعية، وهذا الرفض سواءً كان رفضاً معلناً أو خافياً، فإنه انصياع لمشيئة إلهية، إذ إن الحرية نعمة من الله، أما العبودية فنقمة من عمل الإنسان .
إن الإصلاح الذي يدعون إليه لا يعدو الإغراءات الترويضية الرامية أصلاً إلى إطالة أمد الكبت، الذي عانى منه الإنسان العربي أكثر من غيره في دول العالم، لقد بُددَتْ ثرواته على مسمع ومرأى منه، وقيدت حرية التفكير لديه، تارة أخرى بأوامر روحانية وتارة بتعليمات عليا، وهو بين هذه وتلك لا يملك سوى الله المستعان على ما تصفون وأيضاً لا يملك سوى الحمد والشكر لسلطان الزمان والمكان .
باختصار شديد هو عبد طالما قبل بذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها . إن الحرية أحوال اجتماعية تنعدم فيها القيود التي تحول دون السعادة، وتنازل الإنسان عن حريته: تنازله عن إنسانيته جان جاك روسو، وكما أن للأمم آجالاً، فإن أجل كل أمة يوم تفقد حريتها . إن غاندي يقول أن أكون عبداً أطالب بحريتي خير لي من أن أكون حراً أساوي العبيد .
إن السكوت أفضل من هذا الهراء الذي يطن في آذاننا بين الفينة والأخرى، يروّج له أولئك الذين سكروا بخمرة المصالح، وظنوا أنهم بهذا الهراء هم الأعرف بالفضيلة والأهدى إلى سبيل النجاح، ونسوا في غمرة سكرتهم بنشوة الظهور والمماحكة، أن الأمور لا تستقيم إلا على أسس صلبة أقواها الحرية . أنا الحرية: الحق بيميني والقوة بيساري، والنور فوق جبيني، والدماء تحت قدميّ، ومن يحبونني يموتون أحياءً، وبحياتهم أموت مكسيم غوركي .
نحن لو سلّمنا بما يقول به هؤلاء فقدنا الصلة بإنسانيتنا، وحُلّت سائر همومنا ومشاكلنا بوفرة الحاجات المادية، وماذا عن الروحية يا ترى وعلى رأسها الحرية في الاختيار والتفكير والأحلام والآمال؟ وهي كلها مفقودة لدى الحيوان . وماذا عن العقل الذي مُيّزنا به من دون سائر مخلوقات الله؟ فنحن بعقولنا فقط نستطيع أن نواجه كل شيء ونجد له حلاً . وعليه فلا يمكن لقوة فوق الأرض أن تستعبد عقل الإنسان وروحه، ورحم الله القائل الذين يقاومون العقل بالترهات إنما يضربون الهواء النقي بسيف صدئ .
إن الإنسان في مسيرته الحياتية كثير الأحلام بالأفضل والأحسن، لكن أحلامه هذه تصبح عديمة الجدوى عندما يُحصرُ ويُحْجَرُ على عقله، لكنها تصبح فاعلة خلاقة بالحرية فقط، التي هي النبراس الذي ينير الظلمة ويبدد المخاوف التي لا وجود لها إلا في رؤوس العبيد أهل المصالح الشخصية الضيقة، المصابين بداء الأنانية المزمن . إن غُلاً يكبل المعصم أهون من وهمٍ يكبل العقل والحرية بالطبع، ومن أقوال الإمام علي لا تكن عبد غيرك وقد خلقك الله حراً، لذلك عليك السيطرة على المبادئ الأخلاقية، ولا تكن عبداً لها، لأن العبودية انتهاك لحرية الإنسان، وهي منطق الطغاة وعقيدة العبيد . ولو أن إنساناً قُيد بسلاسل من ذهب، وأطعم المنّ والسلوى لآثر الفرار إلى الجوع والعطش للالتحاق بحريته .
يردني بين الفينة والأخرى وعلى شاشة هاتفي الجوال خبرٌ أو معلومة باللغة الإنجليزية، وكثيراً ما يلتبس علي الأمر في فهم مضمونها لما تحتويه في أغلب الأحيان من كلماتٍ وعباراتٍ لست ملمّاً بمعناها على وجه الدقة، مصدرها جهات رسمية وأخرى غير رسمية، ولا حاجة هنا إلى التسمية لما يسببه ذلك من إحراج لنا جميعاً، فنحن في هذه البلاد أصبحنا كالببغاء الذي يقلد ما لا يَفْهَم، جهات رسمية وأخرى شبه رسمية تفاجئك بنص إنجليزي، وكأنك من أحفاد لورد ماكولي وما أدراك ما لورد ماكولي، إنه ذلك الإنجليزي الاستعماري الذي جال في بلاد الهند عرضاً وطولاً، وعندما عاد إلى عاصمة بلاده لندن خاطب البرلمان البريطاني قائلاً:
لقد جبت بلاد الهند طولاً وعرضاً، فلم أرَ فقيراً يشحذ، ولا لصاً، لقد رأيت الغنى، والقيم الأخلاقية الراقية، فأنا لا أعتقد أبداً أننا سنقدر على غزو هذه البلاد وفيها هذا النوع من البشر، إلا إذا تمكنا من كسر العمود الفقري للأمة المتمثل في تراثها الثقافي والروحي، لذلك أرى أن نستبدل بنظام تعليمها القديم، وثقافتها نظاماً إنجليزياً رثاً نزعم أنه الأفضل لها ولتطورها، وبذلك نتمكن من السيطرة عليها، بعد أن تكون قد فقدت احترام ذاتها . كان ذلك في الثاني من فبراير/ شباط من عام 1855م أمام البرلمان البريطاني . وما أشبه الليلة بالبارحة، لقد انطلت علينا قضية العولمة ورأينا فيها ما حسبناه نافعاً لنا، ولم يكن ذلك سوى سُم دُس في دسم تجرعنا كأسها ونحن ذاهلون، إلى أن استفحل داءً لا نعرف كيفية الخلاص منه ولا كيفية العثور على الدواء الناجع له .
نمعن النظر في وضع لغتنا الأم وعلى أرضنا، فماذا نرى؟ نرى العتمة ماثلة بقضّها وقضيضها كالحة المعالم تنذر بسوء العاقبة، وإذا ماقُدر لها أن تستفحل أكثر فأكثر فقُل سلاماً على القوم ولغتهم . وليست وزارة التربية والتعليم المسؤولة الوحيدة، وإن تكن جهة ذات اختصاص، لكن اللغة العربية مسؤوليتنا جميعاً، مؤسسات وأفراداً، ينبغي أن نتصدى لها تنسيقاً وتخطيطاً وتنفيذاً .
ترى كم سنستغرق من الزمن لننتبه لما يُبَيتُ لنا ولهويتنا الوطنية وعمودها الفقري لغتنا العربية؟ إننا إن لم نبادر إلى عملية الإنقاذ الشاملة للخروج من المأزق الذي وقعنا فيه بإرادتنا بعد أن خدعنا البرق الخُلبُ برق العولمة، فإن البلاء سوف يعمّ، والخطب سوف يطمّ ويغمّ .
لقد تابعتُ كل ماكتب عن هذا الموضوع الحيوي تقريباً، ولاحظت بكثيرٍ من الأسف أن أغلب الكتابات عنه، كتاباتٌ خجولة تتفادى وضع الإصبع على موضع الألم، فهي تناشد الوهم أكثر مما تناشد الحقيقة، وتطرق باب الخيال بحثاً عن الحل، والحل نُصبَ أعينها كالشمس في رابعة النهار . لا أعرف لهذا الجبن من سبب ولا دافع، ولنفترض أن هناك سبباً وهو الخوف من المجهول، فما هو المجهول ياترى؟
هنا يحضرني موقفُ رئيس بلدٍ عربي، رأى بأم عينه بعض الشبان في عاصمة بلاده يأكلون ويدخنون في نهارٍ رمضاني، فما كان منه إلا أن أوعز إلى السلطات ذات الاختصاص بوقف هذه الممارسة المشينة الجارحة لأخلاق الدين الحنيف، وعندما قيل له: إن عاصمة بلاده تضم عدداً من غير المسلمين الذين لا يصومون رمضان، أجاب: لهم الحق في الأكل والشرب ولكن في بيوتهم، لقد صدق من قال: يزع الله بالسلطان مالا يزع بالقرآن .
إذاً، نحن أمام قضية تمسنا في الصميم، ألا وهي قضية لغتنا العربية التي لا نقبل بالتنازل عنها مهما كانت الفوائد المادية المتحجرة التي قد تأتي من العولمة الزائفة . إن دول أوروبا على سبيل المثال ترفض هذه العولمة، وهي فكرٌ غربي المنشأ بل الولادة، ورغم ذلك فالأخذ به على حساب المصالح القومية أمر مرفوض، باستثناء بعض جوانب هذا الفكر العولمة التي ترى فيها تلك الشعوب المتحضرة مايحقق لها مصالحها، فلماذا لا نقلّدها ياترى؟ آخذين بالقول المأثور: وتشبّهوا إن لم تكونوا منهم .
يبدو أننا أصبحنا عديمي الإحساس بموروثنا الثقافي والأخلاقي، وعلى رأس ذلك لغتنا الأم، فلا عجب من رؤية جيلٍ بأكمله يتحدث كالببغاء في كل مجلس، وكل منتدى، وكل تجمع حتى أصبح مايسمى الأرابيزي لغةً سائدةً بين مختلف شرائح المجتمع . إن الجهات الرسمية التي تراسل (خلفانَ) أو (هلالاً) بلغةٍ غير لغته تفترض فيه انتسابه إلى لورد ماكولي المذكور من قبل . يالها من عثرة تزداد يوماً بعد يوم، لتشكل جبلاً من المأساة التي سيعانيها هذا البلد وأبناؤه، ما لم نبادر اليوم قبل الغد إلى اتخاذ الإجراءات الكفيلة بصيانة تراثنا، وعلى رأس ذلك لغتنا لغة القرآن الكريم إنا أنزلناه قرآناً عربياً، ولم يقل جل جلاله عولمياً، وهو العالم بالأمس واليوم والغد .
هناك أشخاص ميتون بيننا، لكنهم ما زالوا يمارسون الحياة ويعيشونها مثلنا معشر الأحياء، إنهم المتقاعدون وخاصة أولئك الذين لمّا يبلغوا سن التقاعد بعد . ففي هذا الوطن بخاصة هناك ظاهرة اجتماعية غريبة، ألا وهي ظاهرة التقاعد المبكر، إنها لظاهرة محيرة فعلاً، ولو أنها وضعت على محك العقل لحار في توصيفها وأقامته الحيرة بين العجز والتعب، والأعجب أنها ظاهرة ماثلة أمام الجميع بقضها وقضيضها صباح مساء، ورغم ذلك فلن تجد أحداً منا مسؤولاً كان أو غير مسؤول سيتحمل حتى مجرد السؤال: لماذا؟ وليت شعري متى سندرك أن مرد ذلك هو عدم الاكتراث المتفشي بيننا؟ لقد طالعت سفر (المحيرات) وأطلت المطالعة فيه، وأخذت في تقليبه ذات اليمين وذات الشمال فلم أعثر على الجواب المقنع لعدم اكتراثنا هذا، الذي لا سند شرعياً له ولا حجة منطقية يتكأ عليها .
لا شك في أن القارئ سيداخله فضول حاد لمعرفة ما أريد قوله، لكن فضوله ستخفت حدته حينما يدرك كنه الأمر المراد طرحه .
نحن في هذا المجتمع الصغير لا تتعدى نسبة المواطنين فيه ال 15% من مجموع السكان البالغ خمسة ملايين نسمة، وإذا ما أخذنا في الحسبان القوة العاملة الوطنية من نسبة ال 15% سنجد أنها أقل من الضئيلة بجانب القوة العاملة الوافدة على كل الصعد . لكن المدهش في الأمر أن نسبة المتقاعدين بين المواطنين الذين مازالوا قادرين على العطاء، عسكريين ومدنيين، في ارتفاع مستمر، فهل من تفسير لهذه الظاهرة؟ وإذا كان القانون المطبق يجيز ذلك فهل هذا القانون نحن الذين وضعناه وشرّعناه أم هو منزّل لا يأتيه الباطل لا من خلفه ولا أمامه؟ فإذا كان وضعياً قدرنا على تعديله بل تغييره بما يلائم حاجتنا إلى ذلك التغيير وإذا كان منزلاً فلا بد له من آية أو حديث مُسْنَد .
شخصياً أعرف الكثيرين من المواطنين الذين لم يبلغوا سن الكهولة، لكنهم أحيلوا إلى التقاعد، وهم اليوم إما موظفون لدى شركات القطاع الخاص، أو أرباب أعمال حرة متفاوتة المستوى، أما مؤسسات الدولة - وما أكثرها - فقد استغنت عنهم في الوقت الذي يحتل فيها غير المواطن حيزاً عريضاً، إما بصفته خبيراً لا غنى لنا عنه مطلقاً، أو لأن واسطته أقوى من القانون بل فوقه!
إن الأوطان لا تبنى إلا بسواعد أبنائها، مهما كانت الحاجة إلى السواعد الأجنبية، لذلك فنحن أولى بنا أن نولي قوى العمل الوطنية كامل اهتمامنا، وأن يكون الاستثمار فيها على رأس أولوياتنا، وهذا يقتضي أولاً إعادة النظر إعادة جذرية في المنهج التعليمي وتوحيده، لأنه قلب العملية التنموية في أي مجتمع، وأن نحرص في الوقت ذاته على الاهتمام بالكيف لا الكم، في العملية التعليمية، فالظل لن يستقيم إلا باستقامة العود .
إن الوطن المستقل ذلك الذي يكون لأبنائه فيه النصيب الأوفر من كل شيء، لكن ما نراه ونعيشه كل طالع شمس وماذر شارق، هو على النقيض من ذلك، فثروتنا مستنزفة بالكم الهائل من العمالة الأجنبية، وبنيتنا التحتية مسخرة في الغالب لهذا الكم، الآخذ في الازدياد، من هنا نقول إنه إذا كنا في حاجة دائمة إلى القوة العاملة البشرية، فالأولى بنا تشجيع المواطن على الانخراط بمنظومة العمل أطول مدة من عمره، وذلك بتوفير الحوافز والرعاية له ومن يعول، وتذكيره بالأموال التي صرفت على تعليمه وتدريبه لئلا يذهب علمه سدى لا نفع له، وأن نعيد النظر في قانون التقاعد، أما أن يترك الحبل على الغارب لقانون أثبت عدم جدواه، فإن جهود التنمية ستذهب هي الأخرى هباءً تذروها الرياح، ولن تتحقق الغاية المثلى التي ننشد .
وما عليكم إلا أن تتصوروا فقط مواطناً مؤهلاً تأهيلاً جامعياً متقاعداً قبل أن يبلغ أشده، أو بلغه، وهو في كامل صحته الجسدية والعقلية، تصوروه يعمل مندوب العلاقات العامة لشركة أجنبية، بينما يحتل نظيره الأجنبي مكانه هناك في إحدى الدوائر أو الشركات الحكومية . وللعلم فقط فهناك مؤسسة حكومية ذات أهمية بالغة لا وجود للمواطنين فيها . والمواطن وخاصة المؤهل، لا يسمح له حتى مجرد تقديم طلب عمل في تلك المؤسسة، ومثلما ينعدم وجود المواطن فيها تنعدم اللغة العربية، وهذا أمر طبيعي، فالسباخ لا تنبت إلا العدم .