د. محمود أبوزيد الصوصو*

جاءت الشريعة الإسلامية للناس كافة، لتكون دستور سعادتهم في الدنيا، وطريق نجاتهم في الآخرة، مُبيِّنة الحلال والحرام في معاملاتهم، ومنها معاملة البيع غير المرئي، وهو البيع الذي تكون فيه السلعة حاضرة، لكنْ لم تتحقق رؤيتها، وقد تباينت آراء الفقهاء في كيفية تحقق الرؤية لصحة عقد البيع فيما يلي:
1- الرؤية المعتبرة عند الحنفية: تتحقق الرؤية عندما يحصل العلم بالمقصود.
2- الرؤية المعتبرة عند المالكية: إنْ كان البيع مثلياً فيُكتفى برؤية بعضه، وإنْ كان قِيميَّاً فلا بد من رؤيته كله، بشرط ألا يترتب ضرر على البائع.
3- الرؤية المعتبرة عند الشافعية: يجب رؤية الجملة التي يُستدل بها على باقي المبيع من دون رؤية جميع الأجزاء.
4- الرؤية المعتبرة عند الحنابلة: هي الرؤية التي تحقق المقصود من البيع، وتحصل برؤية العين أو الشم أو التذوق أو بوصف المبيع لأنَّ الخيار خيار الرؤية.
اتفق الفقهاء في المذاهب الأربعة على أنَّ المبيع إذا كان حاضراً في المجلس ومشاهداً للمتعاقدين، فالبيع صحيح إذا توفرت فيه جميع شروط العقد، ولكن اختلفوا في نوعين من البيوع:
النوع الأول: البيع غير المرئي وقت العقد: ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية إلى صحة عقد البيع إذا كان المبيع مما لا يتغير في الغالب، أو كان المبيع لا يتغير في المدة ما بين الرؤية والشراء، واستدلوا على ما ذهبوا إليه بالقياس والمعقول:
1- القياس: إنَّ الرؤية في هذه الحالة كالرؤية وقت العقد بجامع العلم بالمبيع في الحالتين، فإذا كان العقد صحيحاً، وكان المبيع مشاهداً وقت العقد، فيكون كذلك إذا رآه المتبايعان قبل التعاقد طالما لم يتغير وآمناً تغيره.
2- المعقول: إنّ الرؤية إنما أريدت ليصير المبيع معلوماً، ولا يكون مجهولاً وهذا المعنى موجود في الرؤية المتقدمة بالعقد.
أما إذا كان المبيع مما يتغير في الغالب، وكان قد مضى من المدة ما يعلم بقاء المبيع فيها فإنَّ عقد البيع جائز، وأمَّا إذا مضى من المدة ما يجوز أنْ يبقى فيها ويجوز أنْ يتلف فعقد البيع باطل؛ لأنه عقد على عين لا يعلم بقاؤها فيه، ولأنَّ المبيع بمنزلة مجهول الحال والعلم به شرط لصحة العقد.
النوع الثاني: البيع إن كان عيناً غير مشاهده للعاقدين وقت التعاقد ولم يسبق رؤيته منْ قبل: ذهب الفقهاء في المذاهب الأربعة إلى ثلاثة أقوال:
القول الأول: ما ذهب إليه الحنفية والإمام الشافعي في القديم ومرجوح الحنابلة إلى القول:
أنَّ مَنْ اشترى شيئاً لم يره، فالبيع جائز، وللمشتري الخيار إذا رآه، إنْ شاء أخذه بجميع الثمن، وإنْ شاء رده سواءً رآه على صفته، أو على خلافها، واستدلوا بصحة البيع من القرآن والسنة والمعقول:
1- القرآن: قول الله تعالى: (وأحل الله البيع....)، [البقرة: 275]، دلت الآية بعمومها على حل كل بيع ما لم يرد دليل يحرمه، وعليه يدخل بيع الغائب تحت عموم الآية.
2- السنة: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: [مَنْ اشترى شيئاً لم يره، فله الخيار إذا رآه إنْ شاء تركه، وإنْ شاء أخذه] (رواه البيهقي والدارقطني)، والحديث يدل على إثبات الخيار لمن اشترى شيئاً لم يره، فدل ذلك على مشروعية هذا البيع.
3- المعقول: إنَّ عقد البيع عقد معاوضة، فعدم رؤية المعقود عليه لا يمنع جوازه كالنكاح.
القول الثاني: ما ذهب إليه المالكية، والراجح عند الحنابلة من أن هذا البيع جائز بشرط الوصف، سواءً كان المبيع على البت، أم على الخيار، أو سكت المتعاقدان فلم يتعرضا للبت أو الخيار، واستدلوا بصحة البيع بشرط الوصف من القرآن والمعقول.
- القول الثالث: ذهب الإمام الشافعي في الجديد، والحنابلة في مرجوح مذهبهم إلى القول بعدم صحة عقد بيع الغائب مطلقاً، واستدلوا على ذلك من السنة والمعقول.

*أستاذ المعاملات المالية في جامعة طيبة- المدينة المنورة