كانت قضية الصناديق السيادية منذ البداية مفتعلة من قبل بعض الدوائر في الولايات المتحدة الأمريكية. فلا الإمارات في وارد توظيف استثماراتها في بعض المؤسسات الأمريكية والغربية توظيفا سياسيا، ولا هي قادرة على ذلك حتى لو أرادت لأنها تعلم أنها ستخوض معركة غير متكافئة في الحجم وفي التجربة. لكن الغريب أن من قاد الحملة ضد الاستثمارات الإماراتية في الولايات المتحدة صور الأمر وكأن هذه الاستثمارات دخلت خلسة وبعيدا عن نظر المشرع الأمريكي وبعيدا عن الإدارة الأمريكية، أو كأن الإمارات من السذاجة بحيث توظف مليارات الدولارات في مشروعات ومؤسسات من دون أن يتوفر لها غطاء قانوني واضح يحميها ويقيها من تعسف بعض الإجراءات التي تبالغ الولايات المتحدة باتخاذها بذريعة التصدي للإرهاب، كما حدث عندما طرح مشروع إدارة بعض الموانئ الأمريكية التي كانت تديرها شركة بي أند أو البريطانية والتي آلت إلى موانئ دبي العالمية.فتلك التجربة وتجارب أخرى غيرها جعلت المستثمر الإماراتي حريصا على توفير أقصى درجات الشفافية في مشروعاته الاستثمارية حتى لا يكون في مرمى حملات التشويه والتشكيك وحتى لا تطاله الأيدي التي تترصد أي هفوة لتجعل منها مبررا لإجراءات عقابية قد تصل حد التجميد مع ما يعنيه ذلك من خسائر مادية ومعنوية. وحسنا فعلت دولة الإمارات عندما تصدت بعقلانية إلى تلك الأصوات التي حاولت تحميل استثمارات بعض صناديقها السيادية ما لا تحتمل وحاولت إضفاء طابع سياسي عليها.وأوضحت دولة الإمارات في تصديها لتلك الحملة أن دوافعها للاستثمار في بعض المؤسسات الأمريكية هي دوافع اقتصادية وأنها تأكيد للطابع الاقتصادي للابتعاد عن التدخل في رسم سياسات المؤسسات التي تستثمر فيها دفعا للشبهة ومنعا لأي تشويه لأهداف وغاية الاستثمار.إن ما يعرف باستثمارات الصناديق السيادية هو في جانب منه تعبير عن المسؤولية التي تتحلى بها الدول العربية التي تملك فوائض مالية.فهذه الدول تعلم أن هذه الفوائض، ليست ملكا لجيل واحد بل لأجيال عديدة مقبلة، وبالتالي فإن استثماره بالشكل المناسب وحمايته من التآكل يقتضي البحث الدقيق والآمن عن أوعية استثمارية مستقرة تضمن شراكات استراتيجية طويلة الأمد، وهو أمر لا يتفق بالضرورة مع مخاوف وهواجس بعض قوى الضغط السياسي والإعلامي في الولايات المتحدة من أن هذه الاستثمارات هي حصان طروادة الذي تدخل من خلاله الإمارات إلى دائرة التوجيه للقرار السياسي الأمريكي.إن دولة الإمارات التي كان لها علاقات سياسية متوازنة مع الجميع لم تلجأ أبدا إلى خلط استثماراتها الخارجية وخياراتها الاقتصادية بسياستها الخارجية وهو أمر اكسب استثماراتها مصداقية عالية تجلت في الترحيب الذي تلقاه في كافة المناطق التي تتواجد فيها، كما أنها حافظت في الوقت نفسه على احترام الدول الأخرى لسياستها الخارجية التي كانت قائمة على ثوابت ومبادئ واضحة. وعلى خلاف ما قد توحي به التوضيحات التي قدمتها دولة الإمارات عن طبيعة استثماراتها في الولايات المتحدة وعن أهدافها والتأكيد على أنها بعيدة عن أي غرض سياسي، فإن ذلك لا ينم عن ضعف ولا عن ضيق الأفق المتاح أمامها.فالمستثمر الإماراتي لديه تجربة كبيرةتسمح له باقتناص أي فرصة في كثير من المناطق وهناك بدائل قريبة وبدائل بعيدة أمامهوهناك شواهد على أن الاستثمارات الإماراتية في الخارج أخذت موقعها ضمن اللاعبين الكبار في هذا المجال. * خبير اقتصادي من الإمارات