لم تعد الصناعة خياراً تنموياً فحسب، بل غدت واجباً وطنياً وركناً أصيلاً في منظومة حماية الوطن وصون مكتسباته. وكما يقف الجندي على الحدود، وتحرس قواتنا سماء الوطن وبحاره، تقف الصناعة الوطنية في خط الدفاع الأول عن أمننا الاقتصادي، تحميه، وتعزّز مناعته، وتدفعه بثبات نحو مزيد من القوة والاستدامة. فالصناعة ليست مجرد قطاع إنتاجي، بل هي سياج الوطن المنيع، وحصنه الاقتصادي الأمين، ورافعة تنميته الراسخة.
كل من يزور معرض «اصنع في الإمارات» المقام حالياً في أبوظبي، يخرج مرفوع الرأس، مفعماً بالفخر، وهو يشاهد ما بلغته الصناعة الإماراتية من تطور نوعي وتقدم تقني وتخصص متقدم.. هنا لا نرى مجرد منتجات معروضة، بل نرى قصة وطن آمن بقدراته، واستثمر في إنسانه، وراهن على مستقبله.
نرى صناعة إماراتية باتت حاضرة في الطائرات ومكوّناتها، وفي المعدات وتجهيزاتها، والاتصالات والمواصلات، وفي الأجهزة الدقيقة، وفي الغذاء والدواء، والتكنولوجيا المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، وعلوم الفضاء. وإذا أضفنا إلى ذلك الصناعات الدفاعية، أدركنا أن ما تصنعه الإمارات اليوم ليس مجرد منتجات، بل عناصر قوة وسيادة واستقلال.
ما يراه الزائر في أروقة المعرض ليس سوى جزء من الصورة، أما الحقيقة الكاملة فتجلّت بوضوح في الميدان، واختبرتها الدولة في الظروف الدقيقة والتحديات الكبرى. خلال الاعتداءات الإيرانية السافرة على بلادنا، برهنت الصناعة الوطنية على صلابتها، وكشفت عن جاهزية عالية وقدرة لافتة على مواجهة اضطرابات سلاسل التوريد.
أثبتت الأحداث الأخيرة، عمق رؤية قيادتنا وبُعد نظرها، حين جعلت من بناء قاعدة صناعية وطنية أولوية استراتيجية، فما جرى كان اختبارا لقوة الدولة من الداخل، وجاءت النتيجة مشرّفة، تؤكد أن الرهان على الصناعة الوطنية كان في محله.
وإذا كانت الصناعة الإماراتية أثبتت كفاءتها في الميدان، فإن معرض «اصنع في الإمارات» يروي هذه القصة بلغة الإنجاز والأرقام عبر أكثر من 1245 شركة وطنية وعالمية تعرض قدراتها ضمن 12 قطاعاً صناعياً، في مشهد يعكس اتساع القاعدة الصناعية الإماراتية، وتنوعها، ونضجها.
سموّ الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الدولة، نائب رئيس مجلس الوزراء، رئيس ديوان الرئاسة، الذي يتابع هذا الملف الوطني الحيوي، أكد خلال زيارته للمعرض أن نهج قيادتنا يتمثل في وضع المنظومة الصناعية الوطنية على مسار متقدم، بما يرسخ مكانة الدولة حاضنةً للصناعات الحيوية.
يضيف سموّه: أولوياتنا؛ تحفيز الابتكار، وجذب الاستثمارات، وتطوير بيئة أعمال مرنة ومحفزة، بما يعزز تنافسية القطاع الصناعي ويدفعه إلى آفاق أوسع من النمو والتأثير.
أما بلغة الأرقام، فإن ما تحقق يتحدث بوضوح عن نفسه؛ إذ يقول الدكتور سلطان أحمد الجابر، وزير الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة، الذي يتابع بنجاح هذا الملف، إن مساهمة الصناعة في الاقتصاد الوطني باتت تبلغ 200 مليار درهم، فيما تبلغ الصادرات الصناعية 262 مليار درهم، منها 92 مليار درهم صادرات صناعية متقدمة.
الصناعة الإماراتية اليوم ليست مجرد قصة نجاح اقتصادي، بل مشروع سيادي بامتياز، عنوانه الاعتماد على الذات، ومضمونه قوة الدولة، وهدفه حماية الوطن في عالم لا مكان فيه إلا للأقوياء.
