منذ منتصف القرن العشرين، ظهرت التكتلات الاقتصادية والسياسية كأدوات تسعى الدول من خلالها إلى حماية مصالحها، وتعزيز نفوذها في عالم سريع التغيّر. غير أن التاريخ يبيّن أن هذه التكتلات ليست متساوية في قدرتها على الصمود؛ فبعضها نجح في بناء مؤسسات راسخة قادرة على تجاوز الأزمات، بينما بقي بعضها الآخر هشّاً، يتأثر بالخلافات الداخلية ويعتمد على تفاهمات ظرفية أكثر من اعتماده على أسس مؤسسية متينة. وفي هذا السياق، تبدو «أوبك» و«أوبك+» مثالاً واضحاً لتكتل استراتيجي مهم، لكنه يكشف هشاشته كلما تغيّر المشهد الجيوسياسي، أو الاقتصادي.
تأسست «أوبك» عام 1960 في وقت كانت فيه شركات النفط الكبرى تتحكم في الأسعار والإنتاج، ما ترك الدول المنتجة بلا صوت مؤثر. وقد جاءت المنظمة لتمنح هذه الدول قدرة جماعية على التأثير. ومع مرور العقود، أصبحت «أوبك» لاعباً محورياً في أسواق الطاقة، لكنها بقيت تعتمد على التزام طوعي غير مدعوم بآليات إنفاذ، أو رقابة مستقلة. ومع إنشاء «أوبك+» ازدادت التعقيدات، إذ دخلت دول غير أعضاء في «أوبك» إلى دائرة القرار، ما جعل التوافق أصعب، والعمل الجماعي أبطأ.
وتُظهر البيانات الحديثة حجم التحديات التي تواجه التكتل. فـ«أوبك+» تنتج ما يقارب نصف نفط العالم، ما يجعل أيّ خلاف داخلي قادراً على إرباك الأسواق. وفي عام 2025، طبّق التحالف خفضاً إنتاجياً بنحو 3.24 مليون برميل يومياً - أي ما يعادل 3% من الطلب العالمي - في خطوة تعكس اعتماد المنظمة على إدارة السوق عبر تقليص الإمدادات، بدلاً من تبنّي استراتيجية إنتاج موحّدة. كما واجهت دول، مثل الإمارات التي تقترب طاقتها الإنتاجية من 5 ملايين برميل يومياً، قيوداً تحدّ حصتها عند نحو 3.2 مليون برميل، ما يعكس التوتر بين القدرات الوطنية والقيود الجماعية. أما التخفيضات الطوعية الإضافية التي نفّذتها ثماني دول عام 2023 - بواقع 1.65 مليون برميل يومياً - فقد كشفت بدورها هشاشة الانضباط الجماعي.
وتتعمّق هذه الهشاشة بفعل التباين الواسع في مستويات الاستثمار داخل قطاع الطاقة بين الدول الأعضاء. فبعض الدول ضخّ استثمارات كبيرة، خلال العقد الماضي، في تطوير الحقول، وتوسعة القدرات وأنظمة الهيدروجين والطاقة المتجددة، بينما تعاني دول أخرى بنى تحتية متراجعة، وقدرة محدودة على مواكبة متطلبات السوق. هذا التباين لا ينعكس على القدرة الإنتاجية فقط، بل يمتد إلى الرؤية الاستراتيجية لمستقبل الطاقة. فبينما ترى بعض الدول في التحول نحو الاقتصاد الأخضر فرصة استراتيجية، تخشى أخرى أن يؤدي هذا التحول إلى تراجع دورها في الأسواق العالمية. ومع دخول العالم مرحلة تتطلب استثمارات ضخمة في التقنيات منخفضة الكربون، تصبح هذه الاختلافات قيداً إضافياً أمام قدرة التكتل على اتخاذ قرارات موحّدة، أو صياغة رؤية مشتركة للمستقبل.
وتُظهر بيانات وزارة الطاقة الإماراتية، ودائرة الطاقة في أبوظبي، إلى جانب تقديرات الوكالة الدولية للطاقة وإدارة معلومات الطاقة الأمريكية، حجم التفاوت في الاستثمارات داخل المنظمة. فقد استثمرت الإمارات أكثر من 82 مليار دولار، خلال العقد الماضي، بينما تراوحت استثمارات العراق والكويت والجزائر مجتمعة بين 80 و105 مليارات دولار، في حين لم تتجاوز استثمارات بعض الأعضاء الأصغر 1-3 مليارات دولار. هذا التباين - كما تعكسه تقارير الوكالة الدولية للطاقة والنشرة الإحصائية السنوية لـ«أوبك» - يوضح اختلاف القدرات الاقتصادية والأولويات الوطنية، وما يترتب عليه من صعوبات في التنسيق داخل تكتل يواجه عالماً سريع التحول.
وفي ضوء هذه الفوارق البنيوية - في القدرات الاستثمارية، وتوقعات الحوكمة، والرؤى المتباينة لمستقبل الطاقة - يصبح خروج دولة مثل الإمارات من أوبك خطوة مفهومة في سياقها الاستراتيجي، لا حدثاً مفاجئاً. ولهذه الأسباب، لن يكون العالم مستغرباً إذا أعادت دول أخرى داخل المنظمة تقييم موقعها، أو حتى اتخذت خطوات مشابهة، بحثاً عن أطر أكثر مرونة وانسجاماً مع استراتيجياتها الوطنية طويلة المدى.
وتبرز المقارنة مع تكتل أكثر صلابة، مثل الاتحاد الأوروبي، لتوضيح الفارق المؤسسي. فالـ«EU» يمتلك مؤسسات تشريعية وتنفيذية وقضائية، وآليات إنفاذ، وسياسات موحّدة عبر قطاعات واسعة، ما يمنحه قدرة على امتصاص الصدمات، كما ظهر خلال الأزمات المالية، وجائحة كوفيد‑19، واضطرابات الطاقة الأخيرة. أما «أوبك» و«أوبك+» فتعتمدان على اجتماعات دورية تُدار فيها الخلافات أكثر مما تُصاغ فيها السياسات، وعلى تفاهمات ظرفية تتبدّل بتبدّل الظروف.
لكن التحدي الأكبر الذي يواجه التكتلات الهشّة اليوم لا يأتي من داخلها فقط. فالعالم يدخل مرحلة جديدة تقودها التحولات المناخية والاقتصاد الأخضر. والاقتصادات الكبرى تتجه نحو الحياد الصفري، والاستثمارات تتسارع في الطاقة المتجددة، والهيدروجين، والتقنيات منخفضة الانبعاثات. وفي هذا السياق، يتغير الطلب العالمي على الطاقة - حجماً وتركيباً - ما يفرض على التكتلات النفطية التقليدية إعادة النظر في دورها وجدواها.
وهنا يبرز سؤال جوهري: هل تستطيع منظمة نفطية تقليدية، بصيغتها الحالية، أن تتحول إلى منصة طاقة مستقبلية قادرة على مواكبة عالم يتغير بهذه السرعة؟
الإجابة ليست بسيطة، ولا مستحيلة. فذلك يتطلب إعادة تصور لطبيعة التكتل نفسه: الانتقال من إدارة حصص النفط إلى إدارة منظومة طاقة متنوعة؛ ومن التنسيق الطوعي إلى الحوكمة المؤسسية؛ ومن إدارة الأزمات إلى استشراف المستقبل. وتمتلك الدول المنتجة - وفي مقدمتها دول الخليج - الخبرة، والبنية التحتية، والقدرة الاستثمارية، لقيادة هذا التحول، لكن النجاح مرهون بوجود تكتل مرن قادر على اتخاذ قرارات استراتيجية طويلة المدى.
التكتلات الهشّة لا تنهار بالضرورة، لكنها تفقد تأثيرها عندما يتغير العالم من حولها. أما التكتلات المرنه فتعيد ابتكار نفسها قبل أن يفرض عليها الواقع ذلك. وفي زمن التحولات الكبرى، يبقى السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت «أوبك» و«أوبك+» ستستمران، بل ما إذا كانتا قادرتين على التطور بالسرعة التي يفرضها العالم اليوم.
*وزير سابق
