تصدر الصكوك الاستثمارية الإسلامية القائمة على أساس عملية التوريق استناداً إلى عقد شرعي على أساس صيغة من صيغ التمويل المجازة شرعاً، ويترتب على هذا العقد أحكام وآثارهذه الصيغة، ويوجه بالإيجاب إلى المكتتبين عن طريق نشرة الإصدار التي تتضمن جميع أركان وشروط العقد الشرعي الذي تصدر الصكوك الاستثمارية على أساسه، ويعتبر شراؤهم لهذه الصكوك قبولاً . لذلك كان لابد من وجود معايير وضوابط شرعية حاكمة تنطبق على جميع عمليات التوريق حتى تكون إسلامية، وهذه هي الضوابط الشرعية العامة التى تحكم عمليات التوريق كي يكون في قالب جائز شرعاً:
الضابط الأول: ملكية الصك حيث إن الصك يمثل ملكية شائعة في المشروع الذي أُصدرت الصكوك لإنشائه أو تمويله، وملكية حامل الصك ملكية شائعة وليست مفرزة أو مجنبة، وتستمر هذه الملكية مدة وجود المشروع من بدايته إلى نهايته، ويترتب عليها جميع الحقوق والتصرفات المقررة شرعاً للمالك من بيع ورهن وهبة وإرث وغيرها من التصرفات الملكية المشروعة، مع ملاحظة أن الصكوك تمثل موجودات المشروع العينية والنقدية والديون .
الضابط الثاني: الإيجاب والقبول حيث يقوم العقد في الصكوك على أساس أن شروط التعاقد تحددها نشرة الإصدار وأن الإيجاب يعبر عنه الاكتتاب في هذه الصكوك، وأن القبول يعبر عنه بموافقة الجهة المصدرة، إلا إذا صرح في نشرة الإصدار أنها إيجاب فتكون حينئذٍ إيجاباً ويكون الاكتتاب قبولاً .
الضابط الثالث: أن تكون الصكوك قابلة للتداول بعد انتهاء الفترة المحددة للاكتتاب باعتبار ذلك مأذوناً فيه من الشركاء مع مراعاة الضوابط التالية:
- إذا كان رأس المال المتجمع بعد الاكتتاب لا يزال نقوداً (كما هو الحال عند بدأ الاكتتاب وحتى بدأ النشاط والتصرف في النقود) فإن تداول هذه الصكوك يعتبر مبادلة نقد بنقد، ويخضع لأحكام الصرف من تقابض البدلين في مجلس الصرف قبل التفرق، والخلو من الخيار، والتماثل إذا بيع أحد النقدين بجنسه، أي أن القيمة الاسمية المدفوعة هي الأساس، حيث يباع فيها الصك من دون زيادة أو نقصان .
- أما إذا انقلبت الموجودات لتصبح ديوناً، كما هو الحال في حالة بيع المرابحة مثلاً، حيث يصبح الثمن ديناً في ذمة المشترين، فيطبق على تداول الصكوك أحكام الديون .
وقد اتفق الفقهاء على عدم جواز توريق الدين الثابت في الذمة المؤجل السداد، سواء بيع بنقد معجل من جنسه أو من غير جنسه، بغض النظر عن سبب وجود الدين، وبالتالي عدم جواز تداوله في سوق ثانوية لاشتماله على ربا النسيئة، وذلك لتطبيق أحكام الصرف عليه شرعاً، وهذا يعني عدم جواز توريق الديون البنكية المؤجلة، وتداولها في المؤسسات المالية، أو شرائها مباشرة بنقد معجل أقل منه، كما يجري في عمليات توريق الديون الخاصة والدولية المختلفة، لأن ذلك من قبيل الربا المحرم .
- إذا أصبح رأس المال موجودات مختلطة من النقود والديون والأعيان والمنافع، فإنه يجوز تداول الصكوك وفقاً للسعر المتراضى عليه، على أن يكون الأغلب في هذه الحالة أعياناً ومنافع .
- يكون التداول وفقاً لظروف العرض والطلب ويخضع لإرادة المتعاقدين، ولا يجوز أن تتضمن نشرة الإصدار ولا الصك الصادر بناء عليها على أي نص يلزم أحد الشركاء ببيع حصته، ولوكان معلقاً أو مضافاً للمستقبل، وإنما يجوز أن يتضمن الصك وعداً بالبيع، وفي هذه الحالة لا يتم البيع إلا بعقد بالقيمة المقدرة من الخبراء ويرضي الطرفين .
الضابط الرابع: هناك شروط أخرى يجب مراعاتها في حدها الأدنى في نشرة الإصدار:
- أن تتضمن النشرة تحديد مجال الاستثمار وتحديد صيغة التمويل الإسلامي الذي تصدر الصكوك على أساسها، كالمرابحة أو المشاركة أو المضاربة أو الإجارة أو السلم أو المزارعة أو المساقاة أو المغارسة إلى آخر صيغ الاستثمار المجازة شرعاً وأخذت بها المصرفية الإسلامية في أي مكان .
- أن تكون الصيغة التي أصدر الصك على أساسها مستوفاة لأركانها، وشروطها، وألا تتضمن شروطاً تنافي مقتضاها أو تخالف أحكامها .
- أن ينص في النشرة على الالتزام بأحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية، وعلى وجود جهاز رقابة شرعية يراقب تنفيذ آلية إصدار واضحة المعالم .
- أن ينص في النشرة على مشاركة مالك كل صك في الغنم، وأن يتحمل من الغرم بنسبة ما تمثله صكوكه من حقوق مالية .
- أن تتضمن النشرة شروط التعاقد والبيانات الكافية عن المشاركين في الإصدار وصفاتهم الشرعية وحقوقهم وواجباتهم، وذلك مثل وكيل الإصدار ووكيل الدفع وغيرهم، كما تتضمن شروط تعيينهم وعزلهم .
- لا يجوز أن تتضمن نشرة الإصدار ولا الصكوك المصدرة على أساسها نصاً يؤدي إلى احتمال قطع الشركة في الربح، فإن وقع كان الشرط باطلاً، ويصح العقد، وتوزع الأرباح حسب رؤوس الأموال، إن لم يكن قد تم الاتفاق على نسب التوزيع، ويترتب على ذلك - عدم جواز اشتراط مبلغ محدد لحملة الصكوك أو صاحب المشروع في نشرة الإصدار والصكوك الصادرة بناء على ذلك .
- أن محل القسمة هو الربح بمعناه الشرعي، وهو الزائد عن رأس المال، وليس الإيراد أو الغلة، ويعرف مقدار الربح إما بالتنضيض أو التقويم للمشروع بالنقد، وما زاد على رأس المال عند التنضيض أو التقويم فهو الربح الذي يوزع بين حملة الصكوك، وفقاً لشروط العقد .
- يعد حساب أرباح وخسائر للمشروع، وأن يكون معلناً وتحت تصرف حملة الصكوك .
- ليس هناك ما يمنع شرعاً من النص في نشرة الإصدار على اقتطاع نسبة معينة في نهاية كل دورة، إما من حصة الصكوك في الأرباح في حالة وجود تنضيض دوري، وإما من حصصهم في الإيراد أو الغلة الموزعة تحت الحساب، ووضعها في حساب احتياطي خاص لمواجهة مخاطر خسارة رأس المال على اعتبار أن هذا الشرط يكون بالتراضي، والمسلمون عند شروطهم، إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً .
- لا يجوز أن تشتمل نشرة الإصدار أي نص (صراحة أو ضمناً) يضمن به مصدر الصك لمالكه قيمته الاسمية في غير حالات التعدي أو التقصير، إلا أنه ليس هناك ما يمنع شرعاً من النص على وعد من الغير (طرف ثالث) منفصل في شخصيته، وذمته المالية عن طرفي العقد بالتبرع من دون مقابل بدفع مبلغ مخصص لجبر الخسائر في مشروع معين، على أن يكون التزاماً مستقلاً عن العقد، بمعنى أن قيامه بالوفاء بالتزامه ليس شرطاً في نفاذ العقد وترتب أحكامه عليه بين أطرافه، ومن ثم ليس لحملة الصكوك الدفع ببطلان العقد، أو الامتناع عن الوفاء بالتزاماتهم بها بسبب عدم قيام المتبرع بالوفاء بما تبرع به بحجة أن هذا الالتزام كان محل اعتبار في العقد .
تلك هي الضوابط والمعايير الحاكمة التي أقرها السادة الفقهاء الذين أجازوا التوريق .
فمن أخذ بها فعليه تطبيق تلك المعايير وإلا فلا شرعية لها، وبذلك يمكن أن يكون التوريق بحلتة الإسلامية وسلامة أدائه مساهماً فعلياً في حل مشكلة السيولة، وتحريك عملية التنمية بشكل حقيقي وليس ورقياً كما هو الحال في التوريق التقليدي الذي أسهم بشكل كبير في انفجار الأزمة المالية العالمية .
وهذا ينقلنا إلى إيضاح الفروق الرئيسة بين التوريقين، وهو موضوع بحثنا التالي إن شاء الله تعالى .
باحث في الاقتصاد والمصارف الإسلامية خبير معتمد بالدولة