الموازنة الهندية وسيلة ضغط انتخابية ... ميرا كامدار

02:08 صباحا
قراءة 4 دقائق

إن ما تكشف عنه موازنة الهند الجديدة للعام المالي 2008-2009 في ما يتصل بصحة البلاد المالية في الوقت الحالي ليس بأكثر مما تكشف عنه من ميل لا يقاوم لدى الحكومات إلى استخدام الموازنة الوطنية كأداة ضغط أثناء فترة ما قبل الانتخابات . في كل عام تناضل الهند سعياً إلى التوفيق بين ما لا يمكن توفيقه: حفز النمو الاقتصادي والاستثمار، وتخفيف حدة الفقر المستوطن، وإشباع نهم المؤسسة العسكرية الشرهة . ولابد أن تبدو الحكومة وكأنها تهتم بالإنسان العادي (صاحب الصوت الانتخابي)، بينما ترضي احتياجات رجال الأعمال (الذين يحفظون للاقتصاد نشاطه وقوته) .

الحقيقة أن الموازنة الجديدة تمثل جائزة كبرى بالنسبة للجماهير الانتخابية الرئيسية: تخفيض الضرائب المفروضة على الطبقة المتوسطة ومغازلة المؤسسات الضخمة بالمميزات . فهناك القليل من أجل كل شخص، بما في ذلك التنازل عن ديون قروض صغار المزارعين، والتي تبلغ 15 مليار دولار أمريكي . وعلى الرغم من كل الانتباه الذي اكتسبته ثورة التجزئة في الهند، وبراعتها الفائقة في حقل تكنولوجيا المعلومات، وقطاعات التصنيع المزدهرة، أثناء الأعوام الأخيرة، إلا أن الزراعة، التي لا يزال 70% من سكان الهند يعتمدون عليها اعتماداً مباشراً، تمر بأزمة طاحنة، حيث انحدر نمو القطاع الزراعي من معدل باهت (3،8%) إلى معدل ضعيف (2،6%) في العام الماضي . وانخفضت مستويات المياه الجوفية في المناطق التي ما زال المزارعون فيها قادرين على حفر الآبار، كما لم يعد من الممكن التكهن بمعدلات سقوط الأمطار، وأفسحت الزراعة التقليدية للحبوب الغذائية والفواكه والخضروات الطريق أمام المحاصيل المدرة للمال وزراعة المحاصيل الواحدة التي تعتمد على المدخلات الزراعية المكلفة التي يعجز صغار المزارعين عن تحمل تكاليفها .

وسجلت حالات انتحار المزارعين معدلات قياسية طيلة العقد الماضي، الذي شهد نمواً سريعاً . وتمثل حالات الانتحار هذه، التي تجاوزت مائة ألف وفاة، إدانة مأساوية للمعجزة الاقتصادية الهندية، فضلاً عما تفرضه من حرج على الحكومة المتلهفة إلى تعزيز صورة الهند باعتبارها قوة اقتصادية وعسكرية عالمية مقبلة . وعلى الرغم من النوايا الطيبة وراء الإعفاءات السخية من الديون في الموازنة الجديدة إلا أنها لن تساعد هؤلاء المزارعين الذين هم في أشد الحاجة للغوث: إذ إن 80% من مزارعي الهند لا يملكون فرصة الوصول إلى القروض الائتمانية الرسمية، بينما لا يندرج تحت قرار الإعفاء سوى القروض البنكية .

كما تدعو الموازنة الجديدة، من واقع إدراكها لأزمة المياه الحادة التي تعيشها البلاد، لتخصيص المزيد من الأموال للتوسع في الري . وسوف يستفيد أغلب المزارعين الهنود من زيادة قدرتهم على الوصول إلى مياه الري، ولكن إن تم ذلك ببناء المزيد من السدود الرديئة وملاحقة المشاريع الضخمة، فإن هذا يعني توفير المزيد من المياه للزراعة الصناعية، وإلحاق المزيد من الضرر بالبيئة المتضررة بالفعل في الهند، وإدخال أقل قدر من التحسين على أحوال المزارعين الفقراء . وفي المقابل سنجد أن التوسع في أساليب الري المصغرة ذات التكلفة المنخفضة والتأثير المباشر الفعّال من شأنه أن يساعد صغار المزارعين على نحو أفضل .

من المرجح أيضاً أن تعود الموازنة الجديدة بأقل قدر من النفع في ما يتصل بتحسين المؤسسة التعليمية الفقيرة وأنظمة الرعاية الصحية الأولية في الهند . ومن المفترض طبقاً للميزانية الجديدة أن يرتفع الإنفاق في هاتين المنطقتين الحرجتين على نحو ملموس (بنسبة 20% للتعليم و15% للرعاية الصحية) . ولكن لأن هذين البندين يشكلان حصة ضئيلة في الموازنة الإجمالية للهند، فإن الإنفاق الإجمالي عليهما يظل متدنياً، والحاجة النسبية لهما . وفي الوقت نفسه يذهب نصيب الأسد في الموازنة الجديدة، حوالي 63%، إلى المؤسسة العسكرية، والشرطة، والإدارة، وأقساط الديون . وسجل الإنفاق الدفاعي رقماً قياسياً جديداً، بلغ 26،5 مليار دولار أمريكي، حيث تشرع رابع أضخم قوة عسكرية على وجه الأرض في تنفيذ مشروع عنيف لتحديث قدراتها في مواجهة الموقف المتدهور في باكستان، وفي ظل التوسع العسكري الصيني .

بعد الأداء الرديء الذي قدمه في عدد كبير من الانتخابات الأخيرة التي شهدتها الهند، يراهن حزب المؤتمر الحاكم على الموازنة الجديدة في اجتذاب الناخبين نحوه من جديد، إذا ما تم تقديم الانتخابات الوطنية، المقرر انعقادها في إبريل/نيسان 2009 حالياً، لكي تعقد في خريف هذا العام . والحقيقة أن درس انتخابات العام ،2004 حين خسرت حكومة حزب بهاراتيا جاناتا السابقة بسبب سأم الناخبين الفقراء من شعاراتها وسياساتها البراقة، لم يُنس .

من المحتمل أن تحقق ماياواتي كوماري، إلهة الفقراء في الهند والتي يقوم حزبها (باهوجان ساماج) على الطوائف المنبوذة، وهو الحزب الذي اكتسح في طريقه إلى السلطة في العام الماضي بأغلبية ساحقة في أوتار براديش، من المحتمل أن تكون الفائز الأكبر من تقديم موعد الانتخابات . وهذا من شأنه أن يمثل ثورة في السياسة الهندية، إلا أن هذه ليست بالنتيجة التي قد يرحب بها أنصار إصلاحات السوق .

لا أحد يستطيع أن يقرر بعد ما إذا كانت أي حكومة أكثر شعبية قد تنجح في الابتعاد جذرياً عن السياسات المالية المعيبة التي تنتهجها الهند وخلق البيئة المناسبة لإدخال تحسينات ملموسة على البنية الأساسية البشرية والمادية الفقيرة وهو الأمر الذي من شأنه أن يعطي الاقتصاد الهندي دفعة قوية بعيدة الأمد والأثر .

مؤلفة كتاب كوكب الهند: النهضة المضطربة لأضخم ديمقراطية، وزميلة جمعية آسيا حالياً، والمقال ينشر بالتعاون مع بروجيكت سنديكيت

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"