سوق الإسكان الصامد في أمريكا اللاتينية ... ميشيل ووسكر

03:16 صباحا
قراءة 4 دقائق
مع انتشار العواقب السيئة لانهيار سوق الرهن العقاري الثانوي في الولايات المتحدة إلى كل أسواق العالم، فهل يتعرض للخطر واحد من أشد الميول إيجابية في أمريكا اللاتينية، والذي يتمثل في توسع أسواق الائتمان، التي يسرت التوسع في ملكية المساكن بصورة جذرية في أغلب بلدان المنطقة؟تحركت المصارف المتعددة الجنسيات وشركات إقراض الرهن العقاري إلى الأسواق في كل أنحاء أمريكا اللاتينية، لتقديم الخدمات المالية التي تسمح للمقرضين بإدارة المجازفة على نحو أفضل . ونجحت البنوك في الاستغلال المبدع لتحويلات المهاجرين النقدية، والدوائر الأسرية متعددة العائلات، وغير ذلك من الموارد المحتملة للدخل والقيمة الائتمانية، والتي كانت موضع تجاهل فيما مضى . وعلى نحو مماثل، أدى انتشار قروض التمويل المتناهية الصِغر إلى إتاحة رأس المال للمقترضين الذين كان يُنظَر إليهم حتى وقت قريب باعتبارهم غير جديرين بالثقة الائتمانية . حتى الآن كان تأثير أزمة الرهن العقاري الثانوي محدوداً للغاية في أسواق الرهن العقاري في أمريكا اللاتينية . ففي المكسيك، شهدت سوق المساكن المتوسطة والأقل من المتوسطة الجديدة نمواً سريعاً بفضل إنشاء سوق لسندات الرهن العقاري السنوي في العام 2003 . وأثناء الربع الأخير وحده من العام 2007 باع مصدرو السندات المكسيكيون ما قيمته 5 .1 مليار دولار من القروض العقارية المدعومة بالسندات وهو قسم كبير من 4 .4 مليار دولار كانت غير مدفوعة مع هبوط بسيط في الأسعار تعبيراً عن المجازفة المستحثة عالمياً، وذلك طبقاً للنشرة الأخيرة من تقرير تحويل الأصول إلى أوراق مالية، كما ظلت الأسواق في شيلي أيضاً في هدوء نسبي .يرجع السبب وراء عزل هذه الأسواق عن التأثيرات الخارجية جزئياً إلى أن أغلب الاستثمارات في العقارات السكنية المدعومة بالأوراق المالية كانت من جانب المستثمرين المحليين الذين كثيراً ما يحتاجون إلى الاستثمار في أسواق العملة المحلية . ومن بين أهم الأسباب أن أسواق الرهن العقاري ومالكي المساكن في أمريكا اللاتينية مختلفون تمام الاختلاف عن الأسواق والملاك في الولايات المتحدة .نجحت حكومات أمريكا اللاتينية في الاستفادة من دروس الماضي . كانت أزمة تكيلا التي شهدتها المكسيك أثناء الفترة من العام 1994 إلى العام 1995 قد اضطرت العديد من ملاك المساكن إلى التخلف عن السداد حين هبطت قيمة البيزو بنسبة 70% وارتفعت أسعار الفائدة إلى عنان السماء . وفي المكسيك الآن تُمنح كافة القروض العقارية بأسعار فائدة ثابتة، على عكس فضيحة الرهن العقاري ذي الفائدة المعدلة، والتي خلفت ملاك المنازل في الولايات المتحدة نادمين على اختيار الرهن العقاري ذي الفائدة المعدلة حين ارتفعت أسعار الفائدة . والرهن العقاري المكسيكي مفهرس تبعاً للتضخم، إلا أن هيئة الرهن العقاري التابعة للدولة تربط هذا المؤشر بالحد الأدنى للأجور وتعوض الفارق إذا ما كانت تعديلات فائدة الرهن العقاري تبعاً للتضخم أسرع من نمو الأجور . وهذا من شأنه أن يحمي المقرضين والمقترضين على السواء .من هنا، وعلى الرغم من ارتفاع معدلات التخلف عن سداد أقساط الرهن بصورة طفيفة في المكسيك منذ إنشاء سوق الرهن العقاري في العام ،2003 فإن 5% فقط من إجمالي أقساط الرهن العقاري تتأخر ما بين 31 إلى 60 يوماً، و2% فقط تتأخر من 61 إلى 90 يوماً . أما في الولايات المتحدة فإن 21% من الرهن العقاري الثانوي ذي الفائدة المعدلة يتخلف لمدة 90 يوماً أو يتم حبسه نهائياً .ولكن مع توسع مجموعة الخدمات المالية المتاحة في أمريكا اللاتينية، تشتد احتمالات إساءة الاستخدام . وهذا درس واضح لا بد وأن نتعلمه من الولايات المتحدة، حيث كانت سهولة منح قروض الائتمان سبباً في شعور السلطات بالرضا، وإتاحة الفرصة للمحتالين، ووقوع الكارثة بهؤلاء الذين خسروا مساكنهم أو قد يخسرونها قريباً . كان ملاك المساكن من الأمريكيين يتعاملون مع مساكنهم وكأنها آلات لإنتاج النقود، حيث يسحبون كميات ضخمة من قروض الائتمان لأغراض استهلاكية بدلاً من الاستثمار . وكان الارتفاع المفاجئ في أسعار المساكن مؤشراً إلى إمكانية الاعتماد على استمرار قيمة العقارات السكنية في الارتفاع .كانت بلدان أمريكا اللاتينية تنظر إلى العقارات السكنية باعتبارها أصولاً طويلة الأمد ووسيلة للحماية من التضخم . ومع انخفاض معدلات التضخم إلى حد كبير أثناء العقدين الماضيين، أصبحت فرص استثمار أخرى تشكل خيارات أفضل، الأمر الذي ساعد على إبقاء أسعار العقارات تحت السيطرة . وفي الوقت نفسه ساعدت سهولة الحصول على قروض الائتمان في تعزيز ازدهار بناء المساكن لتغطية الطلب المتزايد . ويقدر العجز في الإسكان في المكسيك وحدها بحوالي ستة ملايين وحدة سكنية . ومع لجوء الولايات المتحدة وأوروبا إلى تخفيض أسعار الفائدة في محاولة لإعادة تنشيط اقتصادهما وتهدئة أسواق المال، فقد يتلخص الأثر الأعظم المترتب على أزمة الرهن العقاري الثانوي بالنسبة لأمريكا اللاتينية في التضخم . من عجيب المفارقات إذاً ان التوسع في الوصول إلى قروض الرهن العقاري، والذي يعمل على إيجاد مالكي مساكن جدد في أمريكا اللاتينية، قد يكون في النهاية سبباً في حماية المنطقة من الكارثة التي تمخضت عنها قيود الائتمان المتساهلة في الولايات المتحدة .المدير التنفيذي لمعهد السياسات العالمية في مدينة نيويورك، والمقال ينشر بالتعاون مع بروجيكت سنديكيت

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"