في أيار/ مايو ،1967 أمر الرئيس الراحل جمال عبدالناصر بإغلاق مضائق تيران وبوقف الملاحة في قناة السويس في وجه السفن الإسرائيلية وبمغادرة قوات الطوارئ الدولية شبه جزيرة سيناء . في الخامس من يونيو/حزيران كان العدوان الشهير على مصر وسوريا والأردن الذي انتهى بهزيمة الدول الثلاث مع كل تبعاتها التي قلبت مقاييس الصراع مع العدو الإسرائيلي . تهدد طهران هذه الأيام بغلق مضيق هرمز في رمشة عين، إذا قررت الدول الغربية فرض حظر نفطي على صادراتها . وقد بدأت إيران تستشعر بعمق تأثير العقوبات الاقتصادية فيها من الولايات المتحدة والدول الأوروبية . وهي العقوبات التي وصفها الرئيس محمود أحمدي نجاد بأنها ليست سوى قصاصات من ورق . لا نعتقد أن عبدالناصر توخى غلق مضائق تيران، مجرد توجيه رسالة إلى إسرائيل والغرب بأن العصمة في يده في ما يتعلق بحُرية الملاحة في قناة السويس . فهو اتبع الغلق بقرار تأميم شركة قناة السويس وسحبها من يد الإنجليز . العدوان الثلاثي كان رداً مباشراً على القرار وعلى قرارين آخرين: كسر احتكار السلاح وبناء السوفييت مشروع السد العالي، بعد أن رفض البنك الدولي تمويله بضغط مباشر من الولايات المتحدة وبريطانيا .
لا وجه للمقارنة بين أهمية قناة السويس وبين الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز . القناة تختصر طريقاً طويلاً ومكلفاً عبر رأس الرجاء الصالح . المضيق ممر لنحو 40 في المئة من النفط الخام المنقول بحراً إلى الغرب الصناعي وممر لناقلات الغاز . وهو المنفذ البحري الوحيد للكويت وقطر والبحرين والعراق إلى العالم . الظروف المحيطة بالولايات المتحدة والدول الأوروبية المضروبة بأزمات اقتصادية ومالية واجتماعية غير مسبوقة منذ الحرب العالمية الثانية، تحمل على السخرية بحصر الارتدادات المحتملة لغلق إيران مضيق هرمز بارتفاع أسعار النفط إلى هذا المستوى أو ذاك . وفي كل الأحوال فقرار الغلق إذا حصل لن يسمح به الغرب الصناعي، تحت كنف الأسطول الخامس الأمريكي في الخليج وحاملات الطائرات الغربية . القرار يبدل كل المعطيات في شرق أوسط يحفل بالتغيرات المتسارعة . ويمثل القرار المزعوم هزيمة للغرب في عام انتخابات رئاسية في الولايات المتحدة وفرنسا .
بالغاً ما بلغ الصلف في الخطاب السياسي الإيراني، تدرك طهران هذه المعطيات وخطورتها . استمرارها في الخطاب نفسه، تعبير عن حرب اقتصادية فعلية عليها، تنخر المجتمع الإيراني، وتبدد موارد الاقتصاد الوطني وتزيد من معدلات الفقر والبطالة والتضخم . آفات ثلاث مصحوبة بتراجع معدلات النمو وتوقف الاستثمارات الخارجية واستمرار هروب الرساميل، وتراجع سعر صرف الريال الإيراني . مشروعات استثمارية عدة ألغيت أو علق تنفيذها، بما في ذلك مشروعات نفطية وغازية . أما أن يصل الأمر إلى وقف موارد إيران من خلال حظر على صادراتها النفطية مصدر 80 في المئة من النفقات الجارية على فاتورة استيراد الغذاء والدواء، وتمويل رواتب القطاع العام ونفقاته، ولزوم استمرارية الدولة كياناً ومؤسسات، فلا نعتقد أن للحرب الحقيقية وقعاً أسوأ من ذلك على دولة من الدول .
من يقرأ شهادة وزير الخزانة الأمريكي تيموثي غيثنر أمام الكونغرس يوم 22 تشرين الثاني/ نوفمبر ،2011 يدرك أن لا سقف للعقوبات الاقتصادية ضد طهران . أكد غيثنر أن الولايات المتحدة ماضية في إجراءاتها إلى استنفاذ ما يخوله القانون الوطني لتضييق الخناق الاقتصادي على إيران . القانون المذكور فيه مسٌ طوعي بسيادة الدول التي لا تقاطع إيران تحت طائلة وقف تعاملها المالي والمصرفي والتقني وفي مجالات أخرى مع الولايات المتحدة . ومن بؤس الشعب الإيراني أن يستدِر خطاب قادته السياسي مقاطعة أوروبية وغيرها، بصرف النظر عن القانون الأمريكي ومفاعيله . اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي المقرر في الشهر الجاري سيبحث إلى جانب الحظر النفطي تشديد العقوبات على البنك المركزي الإيراني، المؤسسة المالية الوحيدة المعنية بتحويلات تجارة النفط والعملات إلى طهران والخاضعة لقيود أمريكية وبريطانية وكندية . وهناك مشروع قانون جديد في المعنى نفسه للرئيس الأمريكي باراك أوباما سيعرضه على الكونغرس .
حين تتلبد الغيوم الداكنة يتساقط المطر سخياً . أما الغيوم السوداء مسبوقة بعواصف ورعود، فنذرها سخاماً يتساقط . القاعدة الذهبية البراغماتية في السياسة، أنه في حالات الاستعصاء أمام المشكلات الكبيرة فالحلول تأتي بتفكيك الجزء لبلوغ الكل . في الحالة الإيرانية يصعب تمييز الجزء من الكل . لا تصر طهران على استمرارها في مشروعاتها النووية وتخصيب اليورانيوم بما يقترب بها من حيازتها قدرة استصناع سلاح نووي فحسب، بل على خطاب تهديدي يستعدي جيرانها والعالم ويسقط من يدها حجة قوية بامتلاك إسرائيل السلاح النووي . والغريب في السلوك الإيراني الذي يرفض حتى الآن الاعتراف بفداحة العقوبات الاقتصادية التي بلغت عمق شعبه ونسيجه الاجتماعي بدلاً من تكون سلاحاً إعلامياً للحد منها .
غلق مضيق هرمز في ،2012 تحول استراتيجي أخطر في نتائجه من غلق مضائق تيران في ،1967 العقوبات الاقتصادية والنفطية ضد إيران إلى تصاعد . فهل تنفذ تهديدها لتنتقل بالمنطقة إلى تجارب العلاجات بالصدمة؟
صحافي وكاتب لبناني