وكي لا تظهر أمريكا كنمر من ورق، فلا بأس من استمرار احتلال العراق إلى أمد بعيد، وإهراق دم أبنائه (والعدد تجاوز المليون قتيل منذ الغزو حتى الآن)، والمضي قدماً في تمزيق وحدته القومية، وتوزيع أرضه محاصصة بين الطوائف والمذاهب والأعراق، واستغلال وسرقة ثرواته، وتعميم الفساد بين أبنائه، واستخدامه منصة ضد دول الجوار لتوسيع رقعة الفوضى تحقيقاً للشرق الأوسط الكبير.لكن، ورغم كل المصائب التي يئن العراق تحتها، فلا يزال الرئيس الأمريكي يتحدث عن الديمقراطية في العراق الذي قد يكون بمثابة نموذج في المنطقة. فهو لم يقتنع حتى الآن بأن لا ديمقراطية ولا حرية في العراق، إلا ديمقراطية وحرية القتل والمجازر المتنقلة وانعدام الأمن وصولاً الى فقدان الأمل لدى العراقيين، في ظل الاحتلال الامريكي لبلدهم والذي يكاد يكمل عامه الخامس.والرئيس الأمريكي لا يخامره شك في أن الاحتلال سيكون لأجل طويل، لماذا؟ لأن الحرية ستعم منطقة الشرق الأوسط، والعراق عنصر أساسي في هذه الاستراتيجية.كلام خطير، لأن بوش مصمم على تعميم تجربة العراق في الحرية، التي يعيش في ظلها، في كل منطقة الشرق الأوسط، أي أنه يريد أن تكون كل دول المنطقة على شاكلة العراق: فوضى، انقسام داخلي، اقتتال بين المذاهب والطوائف والأقوام، تفتيت الوحدة الترابية، وضعف في مختلف بنى الدولة، والاعتماد على قوة الخارج (أمريكا تحديداً) في إدارة العلاقات بين مختلف مكوناتها.والرئيس بوش يصر على القول إنه سينجح كي يؤكد أن أمريكا ليست نمراً من ورق. ينجح من خلال تعميم الفضوى والانقسامات والحروب الأهلية.لكن الرئيس الأمريكي يدرك أنه بعد خمس سنوات على غزو واحتلال العراق، وأكثر من ذلك في أفغانستان، فإن الولايات المتحدة تغرق أكثر فأكثر في كل من البلدين، ومشروعها الشرق الأوسطي الكبير لا يزال يصطدم بمقاومة عنيدة، بل إن مأزقها العسكري في الشرق الأوسط ينعكس سلباً على الأوضاع الداخلية، وخصوصاً على الاقتصاد الأمريكي الذي يواجه ركوداً خطيراً.متى يقتنع الرئيس الأمريكي في سنته الأخيرة أن الاحتلال لا يمكن أن يصنع حرية وديمقراطية، بل نقيضهما تماماً، ومتى كان أمن الشعوب والأوطان ذا علاقة بالحرية والديمقراطية اللتين تحدد أمريكا شكلهما؟