يدور في الخاطر ونحن نتابع عملية التحوّل السياسي في تركيا التي يقودها الرئيس رجب طيب أردوغان، بنقل البلاد من النظام البرلماني الديمقراطي العلماني الذي تأسس العام 1923 إلى النظام الرئاسي مطلق الصلاحية، كيف كانت تركيا في ظل سلاطين بني عثمان الذين تداولوا السلطة فيها لأكثر من ستة قرون وتتابع على حكمها 36 سلطاناً وخليفة. وكان الخليفة هو الحاكم المطلق الذي يدير إمبراطورية مترامية الأطراف من وسط أوروبا إلى عمق إفريقيا مروراً بالدول العربية حتى المغرب العربي. وقد أطلق على سلاطين بني عثمان الكثير من الألقاب الشرفية، منها «الباب العالي»، و«سلطان البر والبحر»، و«باد شاه العالم»، و«سلطان السلاطين»، و«أمير المؤمنين وخليفة رسول رب العالمين» و«ظل الله في الأرضين وخادم الحرمين الشريفين».. وغيرها من الألقاب التي ظلّت متداولة حتى آخر سلاطين بني عثمان محمد السادس العام 1922، وانتهاء الخلافة العام 1924، مع عبد المجيد الثاني.
مع وصول حزب «العدالة والتنمية» الإسلامي ذات المرجعية «الإخوانية» إلى السلطة العام 2002 بدا واضحاً محاولة إخراج تركيا من نظامها العلماني الذي تأسس مع مصطفى كمال أتاتورك العام 1923 ببعده القومي، وتفكيك مقوماته واستبداله بنظام إسلامي عبر سلسلة خطوات تكتيكية، شملت الجامعات والاختلاط والحجاب والمحاكم، بعدما تمكّن هذا الحزب من التحكّم بالرئاسات الثلاث (الجمهورية والبرلمان والحكومة).
ومع مصادقة الرئيس رجب طيب أردوغان على التعديلات الدستورية التي أقرّها البرلمان، وإحالتها إلى الحكومة لنشرها وطرحها للاستفتاء الشعبي في 16 إبريل (نيسان) المقبل، فإن أردوغان يصبح في حال وافق الشعب بأكثرية تزيد على 50 في المئة، رئيساً مطلق الصلاحية، ويتحوّل النظام السياسي إلى رئاسي.
بحصول أردوغان على لقب، كما كان حال سلاطين بني عثمان أو من دون لقب، فإنه يتحوّل تلقائياً إلى «سلطان جديد» يرتدي بزة أوروبية وربطة عنق بدلاً من الجبّة والعمامة. فالتعديلات الدستورية تلغي منصب رئيس الوزراء الذي يشغله حالياً علي بن يلدريم، وتعطيه حق تعيين كبار مسؤولي الدولة بمن فيهم الوزراء، وله حق تعيين نائب أو أكثر له، وله حق التدخل في القضاء الذي يتهمه بالخضوع لنفوذ رجل الدين المعارض فتح الله غولين، والمتهم بالوقوف وراء الانقلاب الفاشل في 15 يوليو/ تموز الماضي، كما يحق للرئيس إعلان حالة الطوارئ.
وتعطي التعديلات الدستورية في حال إقرارها أردوغان الحق في أن يظل في الحكم حتى العام 2029. مع العلم أنه يتولى الرئاسة منذ العام 2014، وقبل ذلك تولى رئاسة الوزراء من العام 2003 حتى 2014.
تركيا تدخل مع حكم الزعيم الأوحد مرحلة جديدة، وهي تواجه أزمات خطرة ومعقّدة، يرى الرئيس أردوغان أن تركيا لا تستطيع مواجهتها إلا من خلال حكم رئاسي. فهناك الأزمة المزمنة مع الأكراد التي تزداد حدّة وصعوبة مع تجدد المعارك مع أكراد تركيا، وازدياد المخاوف من بروز قوّة كردية مؤثرة في الساحة السورية عند تخوم تركيا الجنوبية، وهناك خطر الإرهاب الذي بدأ يضرب بعنف داخل تركيا، وهناك الأزمة السياسية التي قد تتفاقم في الداخل مع أحزاب المعارضة العلمانية، وهناك الغليان المضمر جراء الإجراءات القمعيّة التي طالت عشرات آلاف الضباط والقضاة والأكاديميين والموظفين والصحفيين، جراء المحاولة الانقلابية الفاشلة.
أقل ما يمكن أن يقال إن المستقبل السياسي لتركيا سوف يظل غامضاً في ظل النظام الرئاسي المتوقّع، وإن الساحة التركية الملتبسة قد تشهد المزيد من التعقيدات والمخاطر.