بنيامين نتنياهو تجتمع فيه كل صفات الصهاينة، من وقاحة في الادعاء، وصلافة في التزييف، وتعالي القاتل المتعجرف. فهو ككثير ممن سبقوه لا يأبه إن نطق كذباً، وإن تجشأ حماقة ما دام من يهمه رأيهم يصفقون له رضا، ويسكتون عنه مداهنة.
كذبة نتنياهو الأخيرة ليست أسوأ من كذبة جولدا مائير من قبله. فقبل أن يقول إن الفلسطينيين يجعلون من المستوطنات ذريعة للتنصل من المفاوضات، أدعت مائير أنه لا يوجد هناك شعب فلسطيني. وفي الحالتين سكت الغرب على الجريمتين. فحينما لم يكن هناك شعب فلسطيني، معنى ذلك أنه لم يتم تشريدهم، ولم يتم الفتك بهم. سكت الغرب على تلك الفرية الكبرى حينما كانت عصابات الهاجاناه وغيرها ترمي بهم إلى خارج قراهم ومدنهم، وحينما كانت تجز بسكين الإجرام رقاب النساء والأطفال والرجال على حد سواء.
ويسكت الغرب الآن على ادعاء لا يقل حماقة أو وقاحة. فالفلسطينيون في رأيه لا يريدون المفاوضات، ويجعلون من المستوطنات حجة للامتناع. فكما أنه لم يكن هناك شعب فلسطيني حتى يشرد أو يقتل، فليست هناك حقوق تغتصب حتى تمنع المفاوضات. وحينما تكون المستوطنات ذريعة، فهي ليست اغتصابا لحق فلسطيني حتى يحتج عليها الفلسطينيون.
الذهاب إلى المفاوضات هو الغاية لدى إسرائيل، ففي ظلها يجري بناء المستوطنات على الأرض المغتصبة، وتحت خيمتها يمتنع الفلسطينيون عن المقاومة. هذه هي الحقوق المكتسبة من المفاوضات. ومقابل ذلك يقبل الإسرائيليون بالجلوس إلى طاولتها. وهي في نظرهم تعني أمرين: أن يعطى الفلسطينيون الفرصة للحديث عن تطلعاتهم، مهما تضاءلت وانحسرت، وأن يمنح الإسرائيليون الفرصة لتحقيق أهدافهم، مهما اتسعت وازدادت، أحدهما يتلقى وعودا بإقامة الدولة بتواريخ متحركة دائماً إلى الأمام، وثانيهما يجعل من حلم الدولة كابوسا يرهق الفلسطينيين بالمستوطنات، وبالطرق الالتفافية، وبالسيطرة على مصادر المياه، وهدم البيوت وتجريف المزارع، وقتل الناس من كل الأعمار.
وهذه كلها إما حقوق للكيان الصهيوني، أو وسيلته إلى تحقيق الحقوق، لا يجوز للفلسطيني أن يتخذها ذريعة للامتناع عن استئناف المفاوضات. ونتنياهو لا يهتم إذا اعتبر الفلسطينيون ما يقوله وقاحة ما دام الراعي النزيه يراه أمراً معقولاً. كيف لا ووزيرة خارجيته تطلب رسمياً من الفلسطينيين ألا يكون وقف الاستيطان شرطاً لاستئناف المفاوضات؟
قد يبدو للبعض أن هذا عالم الخيال، لكن الظن بذلك هو الخيال. فقد مضت سنوات وعقود ونحن نعيش هذه الملهاة، يتكرر جوهرها وإن لم يتكرر أبطالها. وهي ستستمر ب أبطال جدد ما دام هؤلاء يرون أن الوقاحة تجارة رابحة.