على الرغم من أن هذا الكتاب يعتمد على الرسالة السابعة لأفلاطون، فإنه محاولة من جانب د. عبد الغفار مكاوي لتقديم عرض شاعري موجز لفلسفة أفلاطون السياسية بوجه خاص، الكتاب يتخذ عنوان «المنقذ.. قراءة لقلب أفلاطون»، ويوضح د. مكاوي أن الدافع المحرك والقلب النابض لهذا العرض هو حلم أفلاطون بالتغيير الثوري، ومشروعه المفصل عن دولته المثالية، كما صوره في الجمهورية، ثم عدل هذه الصورة في آخر محاوراته وهي القوانين.
كان من الطبيعي أن تكون مسيرة حياته المختصرة التي كتبها بعد زيارتيه الأخيرتين والفاشلتين لجزيرة صقلية، كان من الطبيعي أن تكون هي الأساس الذي بنى عليه د. مكاوي حلم التغيير، وعن الفلسفة المرتبطة به ارتباط الجسد بالرأس المفكر، والشرايين بالقلب الذي يدفق فيها نبض الدماء.
كانت الرسالة السابعة التي يصف فيها أفلاطون جزءاً من طريقه إلى الفلسفة، وزهده في المشاركة في السياسة العملية في عصره، ومغامراته الجسورة والفاشلة لتحقيق حلمه في الواقع بداية حياته، إذ ولد لأسرة أثينية عريقة، وكان الاشتغال بالحياة السياسية في انتظاره، غير أن الأزمة الطاحنة التي مرت بها أثينا في شبابه الباكر، مع لقائه بسقراط وملازمته له، قد تكفلا بتغيير جميع خططه، فأحرق - فيما يحكى - كل مخطوطات تراجيدياته، ونذر نفسه للفلسفة، وحكم أثينا التي خرجت مهزومة ومخذولة من الحرب (431 - 404 ق. م) نظام أقامته أسبرطة من 30 طاغية، وكان من هؤلاء الطغاة اثنان من أقرب أقرباء أفلاطون، حاولا عبثا أن يجذبا أفلاطون وسقراط إليهما لمشاركتهما الحكم، لكنهما رفضا رفضًا قاطعًا.
ثم رجع الديمقراطيون إلى الحكم، لكن حظهم من الديمقراطية اقتصر على الاسم فقط، فقد أدانوا معلمه وصديقه بتهم ملفقة، ثم قدموه للمحاكمة وقضوا عليه بالإعدام ونفذوه بالفعل، ولا بد أن شخصية سقراط الذي لازمه أفلاطون لمدة ثمانية أعوام، قد جعلت فيلسوفنا الشاب ينفض يديه من كل الدساتير البائسة التي عاصرها في شبابه، ويقتنع بأن إنقاذ المدينة لن يتحقق إلا عن طريق الفلسفة التي سترسم خطة المدينة الفاضلة، التي تسودها العدالة والسعادة، ويحكمها القانون الذي يكفل الحقوق المتساوية للجميع، صحيح أنه تخلى عن كل رغبة في الحكم، لكنه لم يتخل أبداً عن توجهه السياسي والعلمي لإنقاذ المدينة، وهو التوجه الذي ملأ عليه حياته، دفع الغضب مما جرى لأستاذه بأفلاطون إلى السفر لزيارة أصدقائه الفيثاغوريين في جنوب إيطاليا وإلى مصر، وفي حوالي الأربعين من عمره (387 ق.م) قام برحلته الأولى إلى سيراقوزة عاصمة صقلية، والتقى طاغيتها ديونيزيوس الأول، وعجز أفلاطون عن التأثير في هذا الملك، ومن ثم رجع إلى وطنه، ولم تثنه تلك التجربة القاسية عن قصده، ولم يكف عن الاقتناع بوجهة النظر والعمل والفكر والممارسة، ولم يتردد عن المغامرة من جديد في سبيل الحلم، فأسس الأكاديمية بالقرب من أثينا، وأخذ يلم شتات أفكاره وتجاربه وتأملاته عن السياسة العملية التي تهتدي بالعقل، وعن نظام التربية الذي سيكون النخبة الحاكمة والحكيمة، وعن التساؤل عن مفهوم العدالة والدولة العادلة أو الملك الفيلسوف، وذلك على النحو الذي فصله في محاورته الكبرى «الجمهورية».
لم تستطع الصدمة التي تلقاها أفلاطون من طاغية سيراقوزة أن تصرفه عن الهدف العلمي في فلسفته، الذي يستحق التضحية، كي لا يقال يوماً عنه إنه كان رجل أحلام وكلام ونظريات، لذلك قام برحلتين في عامي 367 و361 ق. م، ولم يثنه فشلهما الذريع عن مواصلة التفكير والكتابة عن دولته المثالية، كما نرى في آخر محاوراته وهي «القوانين»، التي حاول فيها أن يكون أكثر واقعية وقرباً من الطبيعة البشرية، وإن لم ينجح في أن يكون أقل تسلطية وشمولية، أو أقل تجاهلاً للحرية الفردية والديمقراطية.
هاتان الرحلتان الفاشلتان أقنعتاه بالعكوف على نشاط التعليم في الأكاديمية، في الرسالة السابعة تروي قصتهما بالتفصيل، كما أن نشاطه في الأكاديمية يؤكد بما فيه الكفاية إصراره على أن فلسفته وتلاميذه لا يحملان مسؤولية ذلك الفشل، وإنما الواقع العملي والسياسي في بلده أثينا وخارجها، هو الذي حال دون تحقيق حلم الإنقاذ العسير، وإن آمن على الدوام بأنه غير مستحيل.
كان أفلاطون أول من قدّم اليوتوبيا الشاملة، والمفصلة التي يرجع إليها كل من كتب اليوتوبيا من بعده، كما أثرت بصورة أو بأخرى في جميع أشكالها الأدبية والسياسية والعلمية والفكرية التالية، فقد جاء أفلاطون، والتقط الدافع اليوتوبي، ثم قيّد حرياته، وعكس اتجاهه تماماً فلم يعد في يوتوبياه مكان للأحلام الغامضة والأماني الوهمية، ولم يعد أحد يشتاق للماضي الذهبي.
أفلاطون.. أحلام فاشلة للمدينة الفاضلة
17 مارس 2018 02:37 صباحًا
|
آخر تحديث:
17 مارس 02:37 2018
شارك
القاهرة: «الخليج»