أحياناً يضطر الشاعر إلى مفارقة مكانه الأول ومسقط رأسه ومأوى عائلته وأهله، فتشتعل في نفسه نار الوجد والحنين، وتظل تلك النار متقدة أبدا حتى وهو يعيش أطيب العيش في مغتربه وبين أناس يكرمونه ويجلونه.
تلك هي علاقة الشاعر بروحه الشفافة بالمكان الذي ضم جزءا كبيرا من يومياته وعواطفه الأولى، فظل في ذهنه مفضلا على أي مكان، فينشد متوجعا، مفصحا عن حبه وتولهه وحنينه ورغبته المستمرة في العودة مهما طال النأي واستمرت الغربة.
ذلك هو ما يختزل علاقة الشاعر عوف بن مُحلِّم الشّيباني «ببلدته حران»، حيث إنه كان من شعراء القرن الثاني الهجري وكنيته «أبو المِنْهال» من أهل «حرّان»، وكان أحد العلماء والأدباء والرّواة والنُّدماء والظّرفاء والشّعراء الفصحاء وصاحب أخبار ونوادر، فصحب القائد طاهر بن الحسين وهو أحد أشهر قادة الخليفة المأمون في العراق، فكان يسامره ويحدثه في الأدب والعلم والشعر ونوادر العرب، وأقام عنده مدة طويلة، وكان في كل مرة يهم بالرحيل والعودة لموطنه في حرّان في بلاد الشام، يستبقيه ابن الحسين ويكرمه أكثر، ويلح عليه في البقاء معه، فيستحي الشاعر عوف من ذلك الإلحاح، ويرضخ مرغما فيبقى يكابد لواعج الحنين لوطنه دون أن يستطيع مفارقة طاهر، ومكث على ذلك زمنا، حتى توفي وخلفه ابنه عبد الله بن طاهر الذي تمسك أكثر بصحبة ابن محلم الخزاعي وأكرمه أكثر، فشدّه وقيده إلى غربته أكثر.
وفي أحد تجليات الإفصاح عن علاقة عوف بمكانه وحنينه إليه، يحكى أن عبد الله بن طاهر صحبه ذات مرة في سفر إلى خراسان فلما شارفوا «الري»، سمعوا صوت قمري يغرد بأجمل صوت وأبهى نغمة، وكأن عبد الله بن طاهر إذ ذاك لاحظ ما أحدثه القمري وتغريده في نفس عوف، وما هيجه من شجون تتعلق بشوقه لوطنه الذي ابتعد عنه لسنوات، فجرى بينهما حوار، طلب فيه ابن طاهر منه أن يعارض بيت أبي كبير الهذلي المشهور:
ألا يا حمام الأيك فرخك حاضر
وغصنك مياد ففيم تنوح
وبعد تمنع من الشاعر أنشد أبياته المشهورة والتي افتتحها بقوله:
أفي كل عام غربة ونزوح
أما للنّوى من وثْبةٍ فتُريحُ؟
وهو بيت يختزل كل معاني الغربة التي كان يكتمها طوال سنوات، وقد وجد الفرصة ليفصح عنها دون أن يكون في ذلك استثقالا لمن يحتجزونه تلطفا ورغبة في مصاحبته ومسامرته، ثم طفق بعد ذلك يصف حاله من التعب طوال تلك السنوات، وما فعله البين والبعد عن حران فيه، وكيف هيج نوح القمري نوحه الشعري:
لقد طلح البين المُشٍت ركائبي
فهل أريَن البين وهو طليح
وأرقني بالري نوح حمامة
فنحت وذو اللب الحزين ينوح
غير أنه يبين الفرق الشعوري بين نوح الحمامة التي تعبر في حالتها عن المزاج الرائق والإحساس بألفة المكان والسعادة بتواجدها فيه، وبين نوحه الذي هيج دمعه فأطلقه مسفوحا من مآقيه، فيقول:
على أنها ناحت فلم تُرِ عبرة
ونحت وأسراب الدموع سفوح
ويبين الشاعر بعد ذلك في توضيح وتفصيل أكثر كيف أن مشاعره هاجت حين تذكر اختلاف حاله عن الحمامة التي تنوح وهي تحتضن أفراخها، في حين أن أفراخه هو أي أبناؤه في مكان بعيد عنه هناك في حران حيث موطنه فيقول:
وناحت وفرخاها بحيث تراهما
ومن دون أفراخي مهامةُ فيح
ثم يؤكد ذلك المعنى باستحداث صورة مجازية يعاتب من خلالها الحمامة على النوح ويبين أنه أجدر منها به، لبعده ونأيه وغربته فيقول:
ألا يا حمام الأيك فرخك حاضر
وغصنك ميّاد ففيم تنوح
وينتهز الشاعر عوف الفرصة ليخاطب عبد الله بن طاهر بشأن السماح له بالعودة إلى وطنه حرّان الذي أضناه الشوق له فيقول:
عسى جود عبد الله أن يعكس النّوى
فتُضْحي عصا التَّسْيار وهي طريح
ولعل هذا البيت الأخير الذي حمل رسالة مهذبة من ابن محلم برغبته العارمة في الرحيل هو ما جعل عبد الله بن طاهر يبكي ويرق لحال الشاعر، فيقرر السماح له بذلك ويقول له: «ما أحسن ما تلطّفت لحاجتك، واستأذنت بالرّجوع إلى أهلك وولدك»، ثم أذن له بذلك، وأمر له بثلاثين ألف درهم نفقة وردِّه إلى بلده، فما كان منه إلاّ أن قال أبياتاً ومن بينها في ذكر مكانه حران وشوقه إليه:
وهِمْتُ بالأوطان وَجْدًا بها
وبالغواني.. أين مني الغوانْ؟
فقرِّباني بأبي أنتما
من موطني قبل اصفرار البنانْ
وتشاء الأقدار ألا يصل عوف بن محلم إلى وطنه فيموت وهو ابن الثمانين قبل أن يصل حران، ويترك وراءه أبياته تلك التي تشكل مضربا في حب الوطن والإصرار على العودة إليها مهما اتسعت دروب الغربة وتباعدت المسافات.