علاء الدين محمود

تشهد كتابة الشذرات، كفن أدبي إبداعي، رواجاً وقبولاً كبيراً من قبل كتاب القصة و الروائيين، بل وحتى الشعراء، ويجد هذا الفن كذلك قبولاً عند جمهور القراء، ويتميز هذا النوع من الكتابة بالاختصار والتكثيف، ويحتشد بالدلالات الرمزية، من خلال مقاطع قصيرة، تعبر عن المشاعر، وقد برع الكثير من الكتّاب والفلاسفة في هذا الجنس من الكتابة، ولئن ظهر الآن على السطح بقوة إميل سيوران، من خلال مؤلفاته: «المياه بلون الغرق»، و«توقيعات»، وكذلك رولان بارت، والياس كانيتي، فإن هنالك تأثيراً أقوى من قبل الفيلسوف الألماني نيتشه الذي برع بشكل كبير في هذا المجال، ومعه كان التأسيس المنهجي لذلك النمط من الكتابة، حيث اعتبرها فن الخلود، واشتهر له عدد من الأعمال مثل: «أفول الأصنام»، «هكذا تكلم زرادشت»، ونجد أن معظم الكتّاب المعاصرين قد تأثروا بتلك الطريقة في الكتابة.
وهذه النوعية من الأدب، هي وليدة البؤس والتفكير القاتم، وهي كتابة غامضة، ربما تشبه روح العصر الحالي الذي نعيشه، وتعبر بشكل قوي عن الاغتراب الذي يعيشه الإنسان في ظل سيادة التقنية والنمط الاستهلاكي.
ونلاحظ هنا مسألة في غاية الأهمية وهي أن الخاصية الأسلوبية لكتابة نيتشه، قد استلهمت بشكل كبير عند الكتاب المعاصرين، حتى من دون إرجاع الفضل لصاحبها في كثير من الأحيان، لكن تلك السمات النيتشويه تظهر بقوة النصوص الحديثة، والتي تعبر عن اللا طمأنينة، والتشظي الوجداني، وتتميز تلك الكتابة بالتعدد واختفاء ما يسمى بوحدة الموضوع، وكأن هذا التفكك الذي تتصف به الحياة المعاصرة، قد انعكس على الكتابة، فراح الكتّاب يلجأون إلى هذا الأسلوب.
وقد وجدت الشذرات طريقها نحو القارئ العربي، الذي احتفى بها، خاصة أنه قد عرفها مبكراً من خلال ترجمة أعمال نيشته ثم إميل سيوران، لذلك نجد أثر تلك الطريقة الإبداعية داخل الكثير من النصوص الروائية، وحتى الأعمال الشعرية صارت تتجه بقوة نحو الاختصار والغموض، الذي يعتمد على ما يعرف بصورة الشذرة الشعرية، فلئن كانت الشذرة جنساً قائماً بذاته فهي تشترك مع الشعر في التكثيف والأخيلة والاستعارات، والتأمل والحكمة، فالملاحظة الحاسمة أن كتابة الشذرات تحتفي باللغة بشكل خاص، ويمكن تلمس وجود ذلك الجنس في تاريخ الأدب العربي في الكثير من الآثار النثرية، مثلما هو الحال عند كتابات أبو حيان التوحيدي، والجاحظ، بل وفي بعض الحالات الشعرية التأملية على نحو بعض أشعار زهير ابن أبي سلمى والمتنبي وأبي تمام، حيث نجدها حافلة بالحكمة والتأمل.

[email protected]