الأزمة القطرية ليست كما تبدو للرائي مجرد مشكلة سياسية، بل هي مشكلة تاريخية ونفسية في المقام الأول، وما من تفسير آخر يبررها غير هذين البعدين اللذين يبدوان متخفيين في خلفية الصورة. نعم المشكلة في ظاهرها سياسية، ولكن تعقيداتها تستمد قوة دفعها من اللاشعور التاريخي والنفسي المتواري عميقاً في الذاكرة الجمعية اللاواعية لنظام الحمدين.
ووقائع التاريخ القديم والحديث تترجم السلوك السياسي الذي اتبعه نظام الحمدين (حمد بن خليفة آل ثاني وحمد بن جاسم بن جبر آل ثاني) منذ 1995 حيال الجوار الخليجي والمنطقة العربية والعالم. وإذا كان علم النفس يؤكد تأثير الطفولة على حياة الإنسان عندما يكبر، فإن وقائع النشأة التاريخية لها تأثيرها الكبير على سياسات الدول في مرحلة النضج والنمو الوطني على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
العلاقات القطرية مع السعودية تحكمها محددات تاريخية هي أن العائلة الحاكمة في الدوحة منحدرة أصلاً من السعودية، وقد تنقلت من منطقة إلى منطقة أخرى في شبه الجزيرة العربية قبل أن يستقر بها المقام في قطر. فقد انتقلت الأسرة من اشيقر إلى اليمامة فوادي نعام في نجد ثم الأحساء قبل النزول إلى الدوحة والوكرة في قطر. وفي التاريخ الحديث أهم محددات هذه العلاقة النزاع الحدودي، و«معركة الخفوس» التي خسرتها قطر في مواجهة السعودية الأكبر حجماً والأقوى جيشا واقتصادا وعلاقات خارجية، وقد حاول نظام الحمدين أن يختط سياسة تضمن له أن يخرج من العباءة السعودية ومن جلباب الأخ الأصغر، بل أن يلبس العباءة الأكبر وأن يجترح نهجاً سياسياً مغايراً للسعودية، وأن تطرح قطر نفسها حليفاً بديلاً للسعودية في الدائرتين الأوروبية والأمريكية، وأن تنافس قطر السعودية، إن لم تحل مكانها في مناطق النفوذ والتأثير السعودي في المنطقة العربية.
العلاقات القطرية مع البحرين أكثر تعقيداً تاريخياً ونفسياً وقانونياً من نظيرتها مع السعودية. فقد شابت العلاقات خلافات على الأرض والسيادة والشرعية. فقد كان جزء كبير من أراضي قطر اليوم تابعاً للبحرين، وكانت سيادة أسرة آل خليفة على جزء من قطر أمراً قطعياً خاصة أن الزبارة كانت مقر كرسي آل خليفة. وقد سعى آل ثاني بمختلف الطرق أن ينتزعوا السيادة والحكم على الزبارة، وفشلوا في ذلك حربا، ولكن بريطانيا منحتهم في نهاية الأمر مقاليد السيطرة على شبه الجزيرة الصغيرة بقوة أساطيلها المنتشرة في منطقة الخليج العربي. كما أن التاريخ الحديث بين البلدين شهد معارك ومواجهات عسكرية انتهت بوساطة السعودية إلى الإحالة إلى التحكيم الدولي.
وقائع التاريخ المؤلمة ولدت لدى القيادة القطرية أزمة نفسية حيال النظر إلى السعودية والتعامل معها. فعقدة الحجم القطري الصغير أمام العملاق السعودي، بما قد يمكن اعتباره «عقدة نقص» كميكانيزم نفسي، ولد لدى نظام الحمدين ميكانيزما مضاداً للتجاوز، ترتب عليه التنكر لحقائق الجغرافيا الحتمية التي لا فرار منها ولا مهرب نفسياً أو سياسياً. ومن هنا كان سعى نظام الحمدين بعد انقلاب 1995 لتبني الدوحة سياسات وتحالفات جديدة سرية أو علنية وارتباطات سرية وعلنية بجماعات ومنظمات معارضة وإرهابية، وامتلاك قوة ناعمة تقوم على الدبلوماسية والإعلام والرشى السياسية سواء كانت في شكل استثمارات مالية ضخمة في مصارف أو عقارات أو بيوتات تجارية في الغرب والولايات المتحدة، أو مشتريات بمبالغ ضخمة لأسلحة وأعتدة باعتبار أن شركات الأسلحة ذات نفوذ سياسي قوي في دول أوروبا الصناعية والولايات المتحدة، ولديها نواب وشيوخ في المجالس التشريعية ومراكز تفكير تدعمها.
قطر التي رسم وجهها الجديد نظام الحمدين تهدف إلى الخروج من الظل السعودي، والبروز كقوة وكلاعب له وزنه في المنطقة والعالم، فإن لم يكن مباشرة فعبر مؤسسات العمل الجماعي والمشترك ولو إلى حين، وعن طريق شراء الولاءات والدعم بالمال السياسي، أو عبر العمل المباشر بواسطة مخلب قط من خلال الجماعات والمنظمات الإرهابية والمتطرفة التي تمولها.
وقد عبر وزير الخارجية القطري السابق حمد بن جاسم في اكثر من مقابلة مع صحف وتلفزيونات غربية، عن أن السعودية تولت قيادة المنطقة الخليجية لأكثر من ثلاثة عقود، وتساءل باستنكار «إلى أين ذهبت بنا هذه القيادة»، واحتج اكثر من مرة على أن السعودية تعامل قطر ك«شقيق صغير» ويجب أن يتبع السياسة الجماعية التي يتبناها مجلس التعاون الخليجي. وكان عراب نظام الحمدين واضحا إلى جهة أن قطر تطرح نفسها بديلا عن السعودية للتحالف مع الولايات المتحدة والدول الغربية الأوروبية. وإنها وإن كانت دولة صغيرة المساحة وقليلة السكان فبالإمكان الاعتماد عليها.
نظام الحمدين الذي وصل عبر انقلاب 1995 إلى الحكم، جاء بعد حادثين أثرا عميقاً في تفكير ونفسية عراب النظام حمد بن جاسم، وهما النزاع الحدودي مع السعودية والصراع على الأرض والحدود ذو البعد التاريخي مع البحرين. وهذا ما يدفعنا إلى القول إن الأزمة الحالية بين قطر من ناحية والسعودية والبحرين والإمارات من جهة أخرى أعمق وأبعد من أن تتمحور حول قضيتين تعتبران مستجدتين (هما الموقف من الجماعات الإسلامية والإرهابية والمتطرفة ومن إيران).
وقع اتفاق ترسيم الحدود بين السعودية وقطر عام 1965، إلا أن الحدود ظلت دون ترسيم. وفي 1992 وقع صدام مسلح على الحدود بين البلدين يعرف باسم معركة «الخفوس»، وأدت إلى مقتل ضابط سعودي وجنديين قطريين وسيطرة السعودية على منطقة «الخفوس». وأدركت قطر حينها أن لا أحد في العالم يأبه لشكواها ما عمق العقدة السعودية في نفس وعقل النظام الحاكم في قطر.
الحادث الثاني هو النزاع البحريني القطري الذي بدأ في 1860 بسلسلة من النزاعات الصغيرة، واندلاع الحرب والهجمات المتبادلة في 1867 وتصعيد التوتر، والذي أدى إلى التدخل البريطاني وفرض الهدنة، واعتراف بريطانيا العظمى بقَطَر دولة مستقلة ذات سيادة، وبآل ثاني كحكام لقطر.
وتجدد الخلاف الحدودي في 1937 حينما هاجمت القوات القطرية منطقة الزبارة التي كانت تابعة للبحرين، وهي المقر الأصلي لآل خليفة الأسرة الحاكمة في البحرين، وسعت للسيطرة على مجموعة جزر حوار وفشت الدبل وجزر أخرى صغيرة تابعة للبحرين تشكل في مجموعها ثلث مساحة البحرين وتدخلت بريطانيا مرة أخرى وتمت تسوية النزاع وترسيم الحدود بينهما. وفي أبريل/نيسان 1986 أنزلت قطر قواتها على جزيرة فشت الدبل البحرينية واحتجزت 29 من الموظفين وعمال البناء الذين كانوا يعملون في إنشاء مخفر لشرطة السواحل. وتدخلت السعودية، وأدت وساطتها للإفراج عن المحتجزين بعد 17 يوماً وواصلت وساطتها لاحتواء الخلاف.
وفي فترة لاحقة نجحت السعودية في تشكيل لجنة ثلاثية هدفها البحث عن حل ودي للخلاف. وفي عام 1987 وافق الطرفان بشكل مبدئي على إطار مبادئ للحل، والذي نص على أنه إذا لم تنجح المفاوضات بين الطرفين للتوصل إلى اتفاقية شاملة لتسوية الخلاف يقوم الطرفان بإجراء مفاوضات لاحقة لتقرير أفضل السبل للوصول إلى تسوية عن طريق القانون الدولي، وانتهى الأمر في 1991برفع النزاع إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي بهولندا.
وفي 1994 قبلت المحكمة الصيغة البحرينية المطالبة بالنظر في جميع نقاط الخلاف التي أصبح عددها خمس نقاط وهي: جزر حوار وفشت الدبل وعين جرادة وخطوط أساس الأرخبيل والزبارة وهيرات اللؤلؤ ومصائد الأسماك السابحة وغيرها من المسائل ذات العلاقة بالحدود البحرية. وطعنت البحرين ب82 وثيقة قدمتها قطر للمحكمة، على أساس أنها وجدت مزورة من حيث الأختام والأحبار ونوعية الأوراق المستخدمة والتي قدمتها قطر لتدعيم قضيتها ضد البحرين. وسجلت المحكمة رسمياً تخلي قطر عن الوثائق التي ثبت أنها مزورة. وفي 2000 أصدرت المحكمة حكمها بتبعية جزر حوار للبحرين، والزبارة وفشت الدبل لقطر.
انتهت ظاهرياً النزاعات الحدودية، وذهب مجلس التعاون خطوات للأمام لجهة توحيد التعرفة الجمركية والسوق والعملة الموحدتين والانتقال من التعاون والتكامل إلى الاتحاد. لكن قطر بقيادة نظام الحمدين كانت تعمل في الخفاء لتقوية نفسها اقتصادياً وسياسياً، وصك تحالفات جديدة حتى وإن كانت بالمخالفة للتوجهات العامة لمجلس التعاون الخليجي، وذلك باللعب على التناقضات في الإقليم الخليجي والمنطقة العربية والعالم.
فقد استضافت قطر كل القيادات الإخوانية التي لم يعد لها من مكان في السعودية بعد مخالفتهم الشروط بالعمل أو النشاط في المملكة كونها جماعة سياسية بالدرجة الأولى. وعندما انتقدت الجماعة التأييد السعودي لحرب تحرير الكويت، بدأت قطر باستضافة مؤتمرات وندوات نظمتها شخصيات إسلامية تدور في فلك الإخوان المسلمين. وفي أعقاب إطاحة الرئيس المصري الإخواني محمد مرسي في 2013 فتحت قطر أبوابها لقيادات إخوانية وتبني نهج مخالف لسياسات مجلس التعاون الخليجي إزاء القضايا الإقليمية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لدول المجلس، واضطرت السعودية والبحرين والإمارات لاستدعاء سفرائها لدى الدوحة لمدة تسعة أشهر بسبب تدخل قطر في الشؤون الداخلية لهذه الدول والتحريض ضدها في 2014، وتعهد أمير قطر الجديد تميم بن حمد بالتزامات لكنه لم يف بها بعد عودة السفراء، ما أدى للأزمة الثانية والمقاطعة في 2017.
قطر في سبيل تجاوز عقدة ضآلة الوزن السياسي غيرت اتجاهها الجغرافي وبعدها الاستراتيجي وخلفيتها الاجتماعية، وصكت تحالفاً دفاعياً مع إيران في بداية الألفية الثالثة، في وقت استضافت اكبر قاعدة عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ووثقت روابطها مع «إسرائيل» تحت مسمى مكتب التمثيل، وذلك أيضاً بالمخالفة لنهج العمل المشترك الخليجي والعربي.
واستخدم نظام الحمدين قناة الجزيرة رأس حربة للطعن في الدول الخليجية نفسها خاصة السعودية والبحرين، وانتهاج أسلوب التحريض لتغذية الاضطرابات والثورات في الدول العربية الأخرى والترويج لجماعة الإخوان والإسلام السياسي والجهادي في تونس وليبيا ومصر وسوريا والجزائر وموريتانيا والسودان.
وقد كشف كتاب «قطر و«إسرائيل».. ملف العلاقات السرية» للكاتب «الإسرائيلي» سامي ريفيل أن السبب الرئيسي لتضخم الدور القطري يعود إلى الدور المرسوم لها ك«صندوق بريد سريع نشيط» لخدمة «إسرائيل».
على الجملة يحكم عقلية النظام الحاكم في قطر الإحساس الدائم بصغر الحجم، والتوجس من جوار الآخرين اعتقاداً أنهم يريدون تذويبه وترويضه إن لم يكن محوه ومصادرته، وهذا الإحساس مترسخ عميقا في العقل اللاواعي الذي يغذي المخاوف والقلق والهواجس وردود الأفعال التي تبدو أحياناً لا عقلانية وطفولية لكنها علمياً تتسق مع ميكانيزمات الدفاع الذاتي اللاشعوري عن الوجود والحياة.
هذه النزعة النفسية المتأصلة هي التي ولدت ما يمكن تسميته «شعور النفور» و«الرغبة في الابتعاد» عن بواعث تذكر النظام الحاكم بعقده ومتاعبه النفسية التي لا يبدو أن الزمن قد نجح في محوها أو علاجها أو تجاوزها باعتبارها بنت مرحلة من مراحل النمو لا يجدر مع النضج والرشد الارتكان إليها.
عندما أتيح أمام قطر الانضمام إلى مفاوضات الاتحاد الخليجي التساعي، اختارت الابتعاد وإعلان الاستقلال في 1971. ولم يكن الموقف القطري شبيهاً بموقف البحرين التي كانت حينها تواجه الادعاء الشاهنشاهي الفارسي، فبات الأمر بيد المجتمع الدولي ليرعى ويضمن استفتاء أهل البحرين، وكانت المنامة أمام تحدي إثبات الوجود والانتماء أولاً قبل التقرير في أية خطوة اتحادية.
وقد كان من الطبيعي أن تجتمع الدول الخليجية العربية فيما بعد في مجلس التعاون الخليجي، لكن قطر التي انضمت إلى هذا المجلس، تبنت تحت نظام الحمدين نهجاً مغايراً ومتناقضاً بل ومضاداً لصيغة العمل المشترك، وضد بعض الدول داخل المجلس نفسه.
وشعور النفور والتباعد الذي يتولد لدى الأطفال تجاه أشخاص وأماكن ينمو معهم وقد يترجم تصرفاتهم وسلوكياتهم غير العقلانية أو التي تبدو ظاهرياً لا مبرر لها ولا تفسير. قطر تجد راحة في عقد الصداقات والتحالفات وتقديم الأموال والاستثمارات إلى الأباعد حتى ولو كانوا من الأعداء في الباطن، فالمهم هو استجلاب الإحساس بالأمان والقوة من صحبة ومحالفة الأقوياء والكبار، من دون أي خلفيات مشتركة إيديولوجية أو تقارب فكري أو سياسي.
أكملت الأزمة القطرية مع الدول الأربع (السعودية والبحرين والإمارات ومصر) شهرها الثالث من دون أن تبدو في الأفق بوادر تشير إلى احتمال الحل. فالذي يجعل من هذا الحل صعباً هو قطر نفسها. فهي المشكلة وبإمكانها أن تنهي مرحلة أن تكون مشكلة، أن تتوقف عن أن تكون مشكلة بالتصالح مع النفس والتاريخ أولاً، وتجاوز هواجس ومخاوف التلاشي ومهددات الوجود، وتأصيل الانتماء الجغرافي والاجتماعي إلى محيطها الخليجي وتعميق الانتماء إليه باعتباره البعد الاستراتيجي الذي لا غنى عنه.
لقد أثبت المسار الذي سارت عليه قطر حتى الآن أنه لن يحل مشكلتها، فلا التحالفات مع الأباعد والأعداء والشيطان نفسه يمكن أن تنقذ قطر من نفسها. والذي ينقذها هو التخلي عن المخاوف اللاواعية والهواجس حيال الأشقاء والتعامل مع الأمور بتلقائية وسعة صدر وصفاء نية.
عادي
الأبعاد التاريخية والنفسية تفسر سلوك نظام «الحمدين»
الأزمة القطرية.. المسار والمآل
12 سبتمبر 2017
05:11 صباحا
قراءة
8
دقائق
الشارقة:«الخليج»