الشارقة: علاء الدين محمود

شهدت منطقة «الكهيف» في الشارقة أمس الأول، ختام فعاليات وعروض الدورة الخامسة من مهرجان الشارقة للمسرح الصحراوي، الذي ترعاه إدارة المسرح بدائرة الثقافة في الشارقة، وكرم عبد الله العويس رئيس الدائرة يرافقه أحمد بورحيمة مدير إدارة المسرح، الضيوف المشاركين في المهرجان إضافة للفرقة الأردنية.

شهد اليوم الأخير العرض الأردني «زين المها. مهاجى الرمال»، لفرقة مادبا للمسرح والفنون، من تأليف وإخراج الدكتور علي الشوابكة، واستطاع مخرج العمل أن يقدم عرضاً مسرحياً متكاملاً، ينسجم تماماً مع فكرة المهرجان، رغم بساطة القصة وموضوعها.

وتحكي قصة العمل عن أبناء الشيخ مرشود شيخ القبيلة وأولاده ركان ووهدان، وينفتح العرض على مشهد مجلس الشيخ الذي كان يستضيف شاعراً، وكانت كل من زوجتي ركان ووهدان تستمعان إلى نظم الشاعر الذي أكثر من مدح الشيخ مرشود وولده ركان ولم يأت على ذكر وهدان في القصيدة، الأمر الذي أوغر صدر زوجته وتملكتها الغيرة وباتت تحرض زوجها على شقيقه، ولم يكن ركان حينها حاضراً فقد ذهب مع الفرسان يقتفي أثر قاطع طريق كان قد اعتدى على مضارب القبيلة وسرق عدداً من الأغنام، وطلب الشيخ مرشود إحضار الطعام للضيف، لكن زوجة ابنه وهدان لم تحضر طعاماً للضيف، الأمر الذي أغضب زوجها، لكن الغضب يتبدد عندما يعلم وهدان أن زوجة شقيقه ركان الغائب قد أعدت الطعام لأجل الضيف.

ويحضر ركان من مطاردة قطاع الطرق الذين كان يقودهم «طيحان»، فتعم الأفراح القبيلة بهذه العودة الميمونة الظافرة، لكن خلافاً ينشأ بين أبناء شيخ القبيلة ركان ووهدان، بعد أن أوغرت زوجة وهدان صدره على شقيقه، فيقرر ركان وزوجته الرحيل بعيداً، وفي الأثناء يموت الشيخ مرشود وتصاب القبيلة بالضعف والوهن، ويندم وهدان على خصامه مع أخيه الذي كان بمثابة فارس القبيلة.

وعلى الجانب الآخر، عندما علم طيحان أن ركان قد خرج من القبيلة واتخذ مضارباً له وأسرته بعيداً عن قبيلته، جد في طلبه للانتقام منه، واستنفر من معه من رجال قبيلته.

وعند وصول طيحان إلى خيمة ركان، وجد زوجته التي رحبت بهم وطلبت منهم الدخول بغرض إكرامهم، لكن طيحان رد عليها بأنهم ليسوا بضيوف بل غزاة يطلبون قتل زوجها، فتحذرهم زين المها من بسالة زوجها وشدة بأسه وتطلب منهم الرحيل قبل أن يأتي فيقتلهم أجمعين، وأنشدت شعراً تعدد فيه خصال زوجها ركان وقوته وبأسه.

غير أن طيحان يصر على البقاء من أجل منازلة زوجها، ويعجب بزين المها وشجاعتها وينشد فيها شعراً، وفي الأثناء يعود ركان وتجري مبارزة بينه وبين طيحان الذي أنشد شعراً في الفخر بنفسه، ولكنه هزم هزيمة مذلة، وأطلق ركان سراحه بعد أن عفا عنه.

ويسمع ركان في معزله بما جرى لأبناء قبيلته بعده، فيقرر العودة، وتستقبله القبيلة استقبالاً كبيراً وتضرم النار التي أمر وهدان بإخمادها إلى أن يعود شقيقه، وتمنح القبيلة المشيخة لركان، وتعاهد الإخوة على المحبة والعمل في وحدة تامة.

العمل حمل رسالة مفادها ضرورة التلاحم والوحدة والمحبة بين الإخوة وأبناء البلد الواحد، فالوحدة هي السبيل للقوة ومقارعة الأعداء وصدهم، وتلك من القيم التي وظفها مخرج العرض بشكل خلاق، واستطاع مسرحة الحكاية بحلول إبداعية غاية في الروعة، استلهمت واستوعبت البيئة الصحراوية، فقد اعتمد على أسلوبية الفرجة المسرحية الطقسية في الفضاء الصحراوي المفتوح، وعمل على ملء جميع الفراغات وذلك عبر استثمار وتوظيف مفردات الصحراء مثل: الخيم التي وزعت بشكل جيد وإبداعي، وكذلك الخيول والجمال والأغنام التي كانت تتجول في المسرح، مما يعطي انطباعاً قوياً للمتفرج أنه يشاهد عملاً في صميم البادية، فقد جاءت كل تلك المفردات وغيرها متناغمة ومتسقة مع موضوع النص المسرحي وصور ومشهديات الحكاية، فقد اشتغل على جانب الطقوس من فرح وحزن ورحيل وفراق، وكل مناسبات الصحراء المختلفة، كما قدمت السينوغرافيا لوحات مميزة، وكذلك الإضاءة وتقنية الصوت، والأشعار البدوية الرائعة التي تفاعل معها الجمهور كثيراً، خاصة أن لغة العرض نفسها قد مالت نحو الشعرية، فكانت معظم الحوارات هي عبارة عن مجاراة شعرية، كما كانت الموسيقى التي وظفها المخرج للعرض مستوحاة من البيئة البدوية الصحراوية، وكذلك الرقص على أنغام الموسيقى البدوية.

بعد رفيع

وظهرت آلة «الربابة»، لأول مرة في عروض الصحراوي، فمنحت العرض بعداً جمالياً رفيعاً، خاصة أن الربابة تعتبر من الآلات الأساسية التي تستخدم في موسقة أشعار البدو في الصحراء العربية، بالتالي لها أهميتها الخاصة، ولكن الجانب الأكثر تميزاً هو الشعر البدوي القوي الذي عبر عن مختلف الحالات الإنسانية في العرض من حب، وغضب، وفخر، وفرح، إضافة إلى ميزة أخرى أثرت العرض كثيراً وكان لها الفعل الحاسم في نجاحه وتحقيق شرط الفرجة فيه، ألا وهي الأدائية المميزة والمنضبطة للممثلين، فقد كانوا بالفعل مستوعبين للعمل المسرحي في بيئة صحراوية، وقدموا كل ما لديهم من إمكانيات في المعايشة الأدائية، خاصة أن التمثيل في المسرح الصحراوي يحتاج بالفعل إلى ممثل شامل يستطيع ركوب الخيل والجمال والمبارزة وغيرها من الأدوات الصحراوية. نجح العرض في تقديم جماليات الصحراء ومجتمعها، وأبرز قيمها، وحقق الأهم وهو توفير المتعة للجمهور الذي تفاعل بالفعل مع العرض.

وركز العرض كذلك بصورة أساسية على إبراز دور المرأة العربية في حياة الصحراء من خلال شخصية «زين المها» زوجة فارس القبيلة، والتي لعبت دوراً محورياً في حياته حيث كانت نعم السند والعضد، وتميزت بقيم المرأة العربية الأصيلة فوقفت إلى جانب زوجها في الشدائد عندما رفضت أن تتركه وحده حينما قرر الرحيل، وكانت تنشد الشعر وتحض قومها على مكارم الأخلاق والقيم والخصال النبيلة، ولعل تسمية العرض بزين المها، لم يكن مصادفة، بل للدور البارز لتلك المرأة في مسار العرض، ولكونها ترمز لكل النساء البدويات والعرب، ويقدم العمل مشاهد تحكي علاقة الحب الأصيل بين ركان وزوجته حيث يبذل كل منهما الشعر لإظهار حبه للآخر.

وفي المسامرة النقدية التي خصصت للعرض الأردني، تبارى النقاد في الإشادة بالعمل ومخرجه علي الشوابكة، وذكر مقدم المسامرة الناقد الأردني أحمد الطراونة أن العرض جاء متكاملاً في كل جوانبه من حدث، وموسيقى، وأداء تمثيلي، وقدرة على إدارة الممثلين، كما قدم الكوميديا في بعض اللحظات وهي من الحلول التي تحقق شروط الفرجة، فيما ذكر الكويتي د. خليفة الهاجري أن سينوغرافيا العرض كانت مميزة، وشهدنا اهتماماً بالديكور خاصة الخيمة الأردنية، كذلك الأزياء والمنمقات والموسيقى، وأكد المسرحي المصري جلال عثمان أن العرض اقترب من الفضاء الصحراوي، فقد استغل المخرج كل المساحات الموجودة، ووظف الموسيقى النابعة من البيئة، ولابد من العمل على إعداد ممثلين قادرين على التعامل مع مفردات الصحراء، فيما ذكر الناقد المغربي عبد الرحمن ولد إبراهيم، أن المخرج قام بهندسة الفضاء ومراقبة تفاصيله، بالتالي قام ببناء معمار العرض المسرحي، فجاءت السينوغرافيا مطابقة للفعل المسرحي، فالعرض جعل بالإمكان الحديث عن مسرح صحراوي، ولفت الناقد العراقي عبد الرضا جاسم إلى أن بصمات علي الشوبكي كمخرج برزت أكثر من كونه مؤلفاً، وهذا يتطلب منه التفرغ للإخراج، فقد وضع السينوغرافيا بفكر خلاق مبدع، وخلق عبرها عمقاً في الفضاء المفتوح.