الشارقة: علاء الدين محمود

الشعر عند المتصوفة هو محاولة شفيفة في التعبير عما يجيش في النفس، هو مسعى من العاشق الصوفي لتوسيع العبارة حتى تحيط بطلاقة الرؤية، وهو حديث الأرواح ونجوى القلوب التي تعلقت بخالقها، فما شغلها عن ذلك أمر من أمور الدنيا، فمن تمام طريق السالكين أن ينزعوا عن أنفسهم وقلوبهم الشهوات ما ظهر منها وما بطن، وأن يتحلوا بالزهد في كل فانٍ وزائل من نعم، وأن يوطنوا النفس على الحب لا شيء غيره هو زادهم في الطريق، وملاذهم الذي يطمئنون إليه، ولذلك تحتشد قصائدهم بالجماليات، وبدرر المعاني وفيوض الأسرار، فهي لا تفتح أبوابها للفهم إلاّ للذي في قلبه محبة وصدق وخير، ذلك هو ديدنهم فكل شاعر من شعراء المتصوفة يسير وحده في تجربته وفي تقلبه في المقامات، لتأتي أشعارهم وهي تحكي عن الإيمان بالله ، وتلك هي الأحوال والمقامات التي يتقلبون فيها، فهم في شوق دائم إلى الله عز وجل، وهو الذي يفجر في دواخلهم الشعر ودرر المفردات.

ويبرز من بين شعراء الصوفية وأقطابها الكبار، أبو الفيض ذي النون بن إبراهيم المصري، المولود في عام 155ه/771م في مدينة إخميم بصعيد مصر، لأسرة نوبية عرفت بالزهد والتقوى. اشتهر بالحكمة؛ فالنصوص المنسوبة إليه متعددة، أقوال وحِكَم وأشعار، وإلى جانب تلقيه للكثير من العلوم والمعارف في شتى الضروب، على يد أئمة كبار في مكانتهم مثل الإمام مالك بن أنس، مؤسس المذهب المالكي، نجد أن صاحبنا كان دائم التنقل والترحال والسياحة إلى الله عز وجل، وقد التقى مع الكثيرين في سفره الدائم فأخذ منهم ومن تجاربهم وتدبر أقوالهم وفهم معانيها، وهو الذي جعل من قصائده العامرة بالموعظة والحكمة فتح جديد في شعر الصوفية، حتى قال بعض العلماء إنه قد أحدث ثورة جديدة في الصوفية على مستوى المضامين مما جعل التصوف علماً ناضجاً، وذلك عبر أقواله وأشعاره التي كانت نسيجاً مختلفاً وفريداً، وكان له في ذلك منهج خاص في الحب والوعظ والعشق، لذلك أتت نصوصه وهي تجمع ذلك المزيج العجيب الساحر بين الجمال والمعرفة والحكمة، وهذا ما عناه ذو النون عندما قال: «اليقين داعٍ إلى قصر الأمل، وقصر الأمل يدعو إلى الزهد، والزهد يورث الحكمة، والحكمة تورث النظر في العواقب».

خيط ناظم

كل أشعار ذي النون كانت تدور حول المعاني في كلماته السابقة، فالحكمة هي الخيط الناظم لكل قصائده، وربما ذلك ما دعا المناوي صاحب كتاب «الكواكب الدرية»، إلى الإسهاب في ذكر صفات صاحبنا عندما قال عنه: «هو العارف الناطق بالحقائق، الفاتق للطرائق، ذو العبارات الوثيقة، والإشارات الدقيقة، والصفات الكاملة، والنفس العالمة العاملة، والهمم الجلية، والطريقة المرضية، والمحاسن الجزيلة المتبعة، والأفعال والأقوال التي لا تخشى منها تبعة، زهت به مصر وديارها، وأشرق بنوره ليلها ونهارها»، ولئن كانت الحكمة قد احتلت تلك المكانة عند ذي النون؛ فإن الحب هو المنهج و الطريق الذي اختاره، ففجر في دواخله ينابيع الكلام العذب ودرر المعاني البديعة التي وظفها في محبة الله سبحانه وتعالى فهو القائل: «إلهي ما أصغي إلى صوت حيوان، ولا حفيف شجر، ولا خرير ماء، ولا ترنّم طائر، ولا تنعّم ظل، ولا دوي ريح، ولا قعقعة رعد، إلا وجدتها شاهدة على وحدانيتك، دالة على أنه ليس كمثلك شيء».

وكذلك كانت نصوصه الشعرية المحتشدة بالمحبة الصافية العامرة بالفيوض الروحانية والوجدانية، هي حالة من المناجاة الخالصة بين العبد وربّه، وفي هذا المقام العظيم يأتي النص شفيفاً ناصعاً متوهجاً بنور المحبة، وأسرار العشق، هي ساعة يكون فيها العبد في رجاء ربه فيأمل في عطائه ورحمته وحبه، فلا شك أنها لحظة صدق عظيم تصفو فيها النفس فتأتي كلمات المناجاة والتضرع كدفق شعوري يتقطر عذوبة يعانق القلوب، وذلك كان شأن شاعرنا الورع.

حالة خاصة

وتأتي قصيدته «ما ماتت إليك صبابتي»، لتعبر عن حال شديد الخصوصية، فقد كان ذو النون على فراش الموت، في سنة 245 ه الموافق 859 م، وهي لحظة اقتراب من المحبوب سبحانه وتعالى، وجاء النص ليعبر عن المشاعر التي تعتري شاعرنا وهو يتأهب للقاء ربه، فكانت أن تميزت كلماتها ومفرداتها بالصدق الخالص، ومعاني الشوق الفريدة في مناجاة هي الأخيرة قبل الموت، فأتت عامرة بالدلالات محتشدة بشتى الصور الزاهية الساطعة التي تتحدث عن سر المحبة، فكل بيت فيها هو حالة من الحب قائمة بذاتها، هي ساعة صفاء شديد، وفرح أكيد بقرب اللقاء، فهو يناجي ربه، ويرجوه بعزيز صفاته أن يمن عليه بالمغفرة، وأن يشمله بالرحمة والرضوان والقبول، وهي تحمل في ذات الوقت وعداً بأن لا ينقطع صدق المحبة الذي سكن قلب وروح ذي النون الذي يقول في القصيدة:

أَموتُ وما ماتَتْ إليك صَبابَتي

ولا قضَّيتُ مِن صِدْق حُبك أَوطاري

مُنايَ المنى كلُّ المنى أنتَ لي مُنًى

وأَنْتَ الغِنى كلّ الغِنى عِنْد أقتاري

وأنتَ مَدَى سُؤْلي وغايةُ رَغْبَتِي

ومَوضِعُ آمالي ومَكْنُونُ إضماري

تَحمَّلَ قلبي فيك ما لا أَبُثُّه

وَإِنْ طالَ سُقْمِي فيكَ أو طال إِضْراري

وبَيْنَ ضُلوعي منكَ مَالَكَ قَدْ بدا

ولَمْ يَبْدُ باديه لأهلٍ ولا جارِ

وبي مِنكَ في الأحشاءِ داء مُخامِر

فقد هَدَّ مِنِّي الركنَ وانْبَثَّ إسْراري

ألَستَ دليلَ الرَّكْب إِنْ همُ تَحَيَّروا

ومُنْقِذَ من أَشْفي عَلَى جُرُفٍ هاري

أَنَرتَ الهُدَى لِلْمُهْتَدِين ولم يَكُنْ

مِنَ النُّور في أيديهمُ عُشْرَ مِعْشار

فَنَلْني بعفوٍ مِنْك أحيا بِقُرْبِه

اَغِثْنِي بِيُسْرٍ منك يَطْرُدُ إعْساري.

يا لجمال النجوى في هذا النص الشعري الصوفي العذب الشفيف، فلئن غيب الموت ذي النون ذلك العاشق الزاهد؛ فإن الموت هو بمثابة غياب للجسد، بينما تظل تلك الكلمات تنير الدرب للسالكين، وتضيء ظلمات الأنفس، وتهدي إلى وحدانية الله تعالى، فهي بمثابة عمل لا ينقطع، ينال به صاحبه الثواب في كل حين، مات ذو النون عن تسعين عاماً، قضى معظمها في التقرب من الله سبحانه وتعالى بالعمل والشعر الشفيف، ورغم مرور كل تلك السنوات والأعوام مازالت قصيدته تلك تردد بين الناس في كل أنحاء العالم الإسلامي.