الشارقة: عثمان حسن
في اليوم الثاني للملتقى الفكري المصاحب ل «الأيام» الذي يجيء تحت عنوان (الإخراج والسينوغرافيا.. حدود العلاقة وتحدياتها) شارك ثلاثة نقاد عرب صباح أمس في هيلتون الشارقة، في مناقشة محور «بين عمل المخرج ودور السينوغرافي.. أي مستقبل لصناعة العرض المسرحي؟» هم: حمزة جاب الله من الجزائر الذي شارك بورقة عنوانها السينوغرافيا والمفهوم الجديد لتصميم العرض المسرحي. ومحمود الشاهدي من المغرب بورقة الفضاء وبناء التصور في المسرح المعاصر. ود. حمادي الوهايبي من تونس بورقة تقاطعات وتنافذات: مسرحية الصابرات نموذجاً وأدار الجلسة فيصل العبيد.
قال جاب الله: شكلت السينوغرافيا منذ وقت ليس بالقصير محورا مهما في دراسات العديد من المنظرين والنقاد بإعطائها أفقاً أوسع من خلال تعدد مفاهيمها وتجاوزها مساحات العرض المسرحي، حتى أصبحت تطلق عليها مسميات عديدة كسينوغرافيا المدن والعمارة، وسينوغرافيا المتاحف، وحتى سينوغرافيا الرواية والشعر، انطلاقا من الرؤية التشكيلية البصرية للعالم المدرك، وفق تصورات تشكل الصور ذهنيا وإدراكيا.
وأوضح جاب الله أن ما ذكر يترك لنا مجالا في البحث عن وضع السينوغراف وإعطائه مكانته الحقيقية داخل سياقات التشكيل البصري للعرض المسرحي، وهو الذي يؤكد على حرية السينوغرافي في صياغة نصه وإعطائه صبغة متجددة، تتماشى وإبداعه في بناء الصورة المشهدية، وأن التصور الشخصي للمخرج هو الذي يحدد علاقته بالسينوغرافيا.
وخلص جاب الله إلى القول إن مسرح اليوم هو مسرح الصورة من دون منازع، وكل ما طرأ عليها من تغيير تعاقبت عليه مختلف التيارات والاتجاهات الحديثة في المسرح، والسينوغرافي اليوم هو صاحب السيادة في العملية الإخراجية في شكله المقدم في مسارحنا اليوم، بسبب تمكنه من أدوات صناعة الصورة وصياغتها، كما هو شأن المؤلف الموسيقي لعروض الأوبرا.
بدوره اعتبر محمود الشاهدي أن الممارسة المسرحية اليوم، لا يمكن أن تتجاوز مهنة المخرج، رغم أنه لا يوجد تكوين أكاديمي مخصص لهذه الوظيفة، عكس السينوغرافيا التي أصبحت شائعة في معاهد التكوين الدرامي في الغرب، وكذلك في الدول العربية، وهي وضعية تعكس تشابك مهام المخرج مع مهن فنية أخرى، والتي تبقى السينوغرافيا أبرزها.
وجاء الشاهدي على تنظيرات كثير من المسرحيين العالميين منهم ستيفان بروشفيغ، الذي يرى أن التصور الشخصي للمخرج، هو الذي يحدد علاقته بالسينوغرافيا، ووظيفة المخرج - السينوغرافي لا تضع جانبا الاشتغال على الفضاء، بل تجعل السينوغرافيا أساسا لفهم النص المسرحي.
بدوره حاول الوهايبي من خلال ورقته بيان المقاربة الفكرية والجمالية التي ينهض عليها عرض مسرحية «الصابرات» وهي من تأليفه وإخراجه، موضحاً المسار الذي اتبعه بدءاً من الفكرة والخرافة، مروراً بتشكيل الفضاء وإدارة الممثلين وصولا إلى الصورة المشهدية، وقال «كل عمل فني إنما يصدر وفق شبكة من تفاعلات الواقع، وأي قفز فوق هذا الواقع إنما يتم ضمن إملاءات الواقع نفسه، ولقد قادتنا رحلة البحث الأكاديمي إلى فضاءات معرفية ومغرية، ما جعلنا ندقق النظر في كل ما حولنا، فالنظر في الواقع والتفكير فيه، هو الذي يمنحنا فرصة التجاوز، حيث التجربة المسرحية التونسية لم تفلت من إملاءات الواقع، وقد جاءت المقترحات الجمالية في هذه التجربة متفاعلة مع ما يرشح به الواقع السياسي والاجتماعي، لكنها تتأثر أيضاً بالمقترحات الوافدة من الخارج.
وخلص إلى القول إن المسرح بوجه عام قائم على أضلع ثلاثة (الدراما والممثل والفضاء) ولن يكتمل إلا بوجود ضلع رابع، هو الجمهور ووفق هذه الشبكة، يكون الممثل هو رأس المال الرمزي الذي يراهن عليه المخرج، وهذا يعود إلى مسارين متلازمين: هما مسار البحث المعرفي بما هو حفر في السياقات السابقة والراهنة، وكذلك مسار التجربة، من حيث هو تكثيف للأول، وهذه القراءة تظل مفتوحة على خيارات أخرى تقود إليها التجربة.
وقد قدمت صباح أمس الأول ضمن الملتقى الفكري ورقتان لكل من: المخرج حسين نافع من الأردن، والدكتور خليفة الهاجري من الكويت.
وخلص نافع في ورقته: التوافق والتناقض في المهمات والمفاهيم حول السينوغرافيا، إلى أن أهم دور قام به المخرج الحديث، هو البحث عن استقلالية فن المسرح، والتأكيد على خصوصية وظيفته، على أنه فن يحقق مبدأ التكامل والتجانس بين عناصره ومكوناته، كما أكد على أن المهرجانات المسرحية العربية والدولية قد قامت بتسويق مفهوم السينوغرافيا ودور السينوغرافي خاصة في مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي ومهرجان قرطاج المسرحي.
فيما أكد د. الهاجري على أن معظم القراءات التي تتعلق بمهام السينوغرافي والمخرج المسرحي، تغوص في التشابك النظري والفلسفي في المعنى المفسر للنص المسرحي، لكنها تختلف اختلافا جذريا في مهاراتها وتقنياتها التنفيذية، ما يفضي إلى صعوبة سطو طرف على مهام طرف آخر، حتى وإن أتقن جزءاً مما يمتلكه الآخر، وفي هذا العصر تتجه كل الفنون إلى التخصص، وأن المخرج حتى وإن نجح في حلوله السينوغرافية بصورة آنية أو مؤقتة، إلا أن الاستعانة بسينوغرافي متخصص، قد يقنن الإبهار إلى مستوياته المعقولة، ويؤكد جودة الجماليات الفلسفية، ودلالات العمل والعكس صحيح.