الشارقة: عثمان حسن

ارتباط الشعر بالمكان هو ارتباط قديم، مارسه الشاعر العربي، حتى غدا هذا المكان بالنسبة إليه، مرتكزاً وهاجساً، لتوليد نصه الشعري، وبهذا المعنى، فإن المكان هو تجسيد لحالة من حالات الشعور، ما بين ذكريات الوجد والصبابة والحب وربما الألم.

هنا المكان لا يبارح الشاعر، بل هو يتغلغل في وجدانه وأحاسيسه، فيسيّر نصه الشعري، مبنى ومعنى، وحوادث وحكايا، وحيزاً يجسد صور الشعر ومضامينه.

‎برز المكان في كثير من القصائد الشعرية، لعدد من المبدعين العرب، ومنهم هنا، أمير الشعراء أحمد شوقي، الذي جسدت أشعاره الكثير من الأماكن ومنها «جبل التوباد»، هذه القصيدة التي مثلت واحدة من أجمل قصائد شوقي المسرحية التي تميل إلى النزعة الغنائية العاطفية وكان شوقي قد كتبها على لسان قيس في مسرحيته الشعرية «قيس ليلى» ومن كلماتها:

جبل التوباد حياك الحيا‏‏

وسقى الله صبانا ورعى‏‏

فيك ناغينا الهوى في مهده‏‏

ورضعناه فكنت المرضعا‏‏

وعلى سفحك عشنا زمنا‏

ورعينا غنم الأهل معا‏

هذه الربوة كانت ملعباً‏‏

لشبابينا وكانت مرتعا‏‏

كم بنينا في حصاها أربعاً‏‏

وانثنينا فمحونا الأربعا‏‏

وخططنا في نقا الرمل فلم‏‏

تحفظ الريح ولا الرمل وعى‏‏

لم تزل ليلى بعيني طفلة‏‏

لم تزد عن أمس إلا إصبعا‏‏

ارتباط هذه القصيدة بحادثة الحب الشهيرة في التاريخ العربي، فضلاً عما تحتويه من وهج شعري واضح، جعل «التوباد» في قصيدة شوقي اسماً مجلجلاً في إحالاته الشعرية التي لا تتوقف عند ذكرى المكان فقط، وما يمثله من قصة حب أثيرة، بل يتجاوزه ليتخذ هذا المكان صورة معنوية، ترصد قصة عشق ليلى العامرية في لدن عاشقها المتيم قيس بن الملوح، المكان هنا، حاضر وساطع في وجدان الشاعر الهائم على وجهه.

هو مكان، بما يجسده من قصة حب لا يقل وهجاً وبطولة عن «إلزا أراغون»، وعن «روميو وجولييت» لويليام شكسبير، وغيرها من قصص الحب في الشعر العالمي.

بهذا المعنى، يمكن النظر إلى المكان، بوصفه -كما أشرنا سابقاً- يجسد صورة معنوية ساطعة، كما صورتها قصيدة شوقي، عتبة أولى من عتبات النص الشعري، التي تدفع للبحث عن ماهية هذا المكان وموقعه وتضاريسه، ونحو ذلك مما تحفزه عند المتلقي، فهو جبل يقع إلى الجنوب الغربي من مدينة الرياض في المملكة العربية السعودية، بمسافة 350 كم، وهو قريب من مدينة اسمها «الغيل» وهو -وهذا المهم- المكان الذي شهد قصة حب ابن الملوح وابنة عمه ليلى العامرية، عام خمس وستين من الهجرة في عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان.

تحفل قصيدة شوقي «جبل التوباد» بأهمية جوهرية بالغة في صياغة الهوية الشعرية للمكان، وهي هوية تنفد إلى رؤية متكاملة يمكن تمثلها في احتفالية شعرية ومسرحية، قصد منها شوقي أن يضيء على حادثة الحب، بمثل ما تحمله من رمزية في مستويين الأول قصيدة شوقي ذاتها، والثاني يتعلق بقصيدة «ابن الملوح» التي تعكس تفاصيل تعلقه بالمكان، بعد أن قهره هذا الحب بالمعنى المجازي للكلمة، فهام على وجهه في الأماكن، باحثاً عن صورة ليلى أو لنقل وجه ليلى في المكان.

تقول الحكاية بحسب ما وثق لها من أكثر من مصدر، إن قيس بن الملوح بعدما شطح عقله، كان يذهب إلى جبل التوباد، فيتذكر تلك اللحظات بل الأيام التي جمعته وليلى، فيهيم به الشوق والحنين، ويهيم على وجهه في الأرض، وفي إحدى المرات وصل الشام، وحين استرد عقله، نظر من حوله، فوجد بلاداً غريبة عليه، وأناساً لا يعرفهم، فسألهم: «بأبي أنتم، أين التوباد بأرض عامر؟ فقيل له: وأين أنت من أرض عامر؟ أنت في الشام، عليك بنجم كذا فأته حتى تصل إلى أرض عامر.

فيمضي، على وجهه نحو ذلك النجم حتى يقع بأرض اليمن، وتتكرر معه القصة، حين يرى بلداً غريبة عليه وقوماً لا يعرفهم، فيسألهم عن جبل التوباد من أرض عامر، فيقولون له: وأين أنت من أرض عامر؟ عليك بنجم كذا، فيمضي مجدداً نحو النجم

ولايزال كذلك حتى يصل إلى جبل التوباد، فإذا رآه فرح وهلل بأعذب الكلمات وأشجاها وأحزنها، كما يرد في قصيدته، وكان ذلك بعد أن فارقته ليلى وتزوجت من وردي الثقفي فأنشد:

وأجهشت للتوباد حين رأيته

وهلل للرحمن حين رآني

وأذريت دمع العين لما رأيته

ونادى بأعلى صوته ودعاني

سألت سواد الحي لما رأيته

وأخبرته ما قد جرى ودهاني

فقلت له أين الذين عاهدتهم

حواليك في خصب وطيب زمان؟

فقال: مضوا واستودعوني بلادهم

ومن ذا الذي يبقى مع الحدثان

المكان في ذاكرة القارئ العربي، يمثل رمزاً للحب العذري، وإذا كانت قصيدة شوقي قد حملت الكثير من الإشارات الدالة على هذه القصة، ومقدار ما تحمل من عاطفة ورومانسية، فإنها من ناحية أخرى، قد سلطت الضوء على أهمية هذا المكان، وهو «جبل التوباد» الذي شهد تفاصيل الحادثة، التي تحكي أكثر من رواية، أنه كان مكاناً أثيراً بالنسبة للعاشقين، يلتقيان فيتناجيان، على قمته، وهو بالمناسبة عبارة عن جبل متدرج، سهل الصعود، يرتفع نحو 20 متراً من باطن الوادي، ويمتد طوله قرابة 100 متر، وقد سبق لقيس أن رعى الغنم وهو طفل على هذا الجبل، فتخلد ذكره في نفسه، وها هو يستعاد في قصيدة شوقي، بقدر عال من الشاعرية، التي تضيء على جمال الحب، الذي ينتشر انتشار النار في الهشيم، ويصبح أيقونة فريدة بما ينطوي عليه من صدق وعذوبة وشاعرية.