الشارقة: علاء الدين محمود
يقول ذو النون المصري: «كنت يوماً على شاطئ النيل فرأيت عقرباً، فأردت قتلها فهربت، وركبت على ظهر ضفدعة، فقامت بها حتى وصلت إلى الجانب الآخر، فنزلت عن ظهرها، فإذا برجل نائم وهو سكران، وثعبان قد أقبل ليلدغه، فأسرعت العقرب نحو الثعبان فلدغته فتقطع، فأيقظت الرجل فنهض مذعوراً، فأخبرته فطرق، ثم قال: يا رب هكذا رحمتك على من عصاك، فكيف بمن أطاعك، فوعزتك لا أعصينك أبداً».
تفاصيل هذه الحكاية هي التي صنعت شخصية العارف بالله والقطب الصوفي الكبير ثوبان بن إبراهيم، المكنى ب«أبو الفيض»، والملقب ب«ذو النون»، أحد أكبر أعلام التصوف في القرن الثالث الهجري، وتلك القصة هي عنوان لمسيرة حافلة بالمعرفة والفكر وعلوم التصوف، والتي خاض غمارها ذو النون بنور البصيرة وبنفسٍ هذّبها وهيأها لتلقي الفيوض والأنوار الربانية، فكان شيخاً ومعلماً في ذلك الطريق، زاهداً في ما عند الناس، راجياً الذي عند ربه، وتلك هي سمات الصوفي الحق، وذلك هو طريق السالكين.
ولد «ذو النون» في بلدة «أخميم» في مصر سنة 179 ه - 796 م وتوفي سنة 245 ه - 859 م. وكانت المنابع التي شكلته صافية، فنهل منها بنهم من ينشد المعرفة فلا تفتر همته، فأقبل على التعليم في بلاد النوبة، فتعرف إلى مناهج التفكير، حتى إذا ما بلغ مبلغ الشباب، وجد نفسه وقد أخذ بطرف كثير من العلوم، فحفظ القرآن الكريم، وانفتح على دراسة المذاهب كلها، لكنه تأثر بموطأ الإمام مالك، ودرس العلوم على يد علماء أجلاء في ذلك الوقت، ويجمع العلماء على أن الرجل قد جعل مصر على موعد مع التصوف، فقد كان أول الذين تكلموا بكلام الصوفية فيها، حيث تحدث بعلوم المقامات والأحوال، ولم تكن الأرض تحته مهيأة تماماً لتقبل الفكر الصوفي، فقد كان خصومه يتربصون به، فلقي من أمره عنتاً، فقد انفض من حوله العلماء والفقهاء في مصر، وأفسدوا الأجواء حوله حتى لا يقترب منه أحد، فقد أشاعوا أن الرجل جاء بمستحدثات في العلوم لم يعرفها السلف، فكان حظه منهم أن رموه بالزندقة، وقد أرادوا حصاره اجتماعياً فذهبوا إلى شقيقه، وذكروا له أن أخيه زنديق، فأغتم الرجل وذهب إلى شقيقه ليخبره بأن القوم قد رموه بالزندقة، وكان ذو النون يقابل تلك الهجمة البربرية بالصمت والإطراق، ولجأ إلى حيلة التورية والترميز في أقواله، وكتاباته، ويقول عنه أحد العلماء: «وكان ذو النون المصري رأس الصوفية أول من استعمل رموز الصوفية فراراً من اعتراض المعترضين»، وعلى الرغم من ذلك فقد كان ذو النون من المعتدلين في المذهب الصوفي، فلم تعرف عنه تلك الشطحات التي ارتبطت ببعض المتصوفة، لكن الكيد ذهب بالأعداء والخصوم حد أن شكوه إلى الخليفة المتوكل، بعد أن أوغروا صدره تجاهه، فاستدعاه المتوكل إليه في عاصمة الخلافة العباسية، فلما دخل عليه ذو النون قام بوعظه وسرد له قصصاً مؤثرة في الدين، فبكى المتوكل، وقام يخطو حتى عانق ذا النون، وقال له: «أتعبناك يا أبا الفيض». وقال يوسف بن الحسين: «حضرت مع ذي النون مجلس المتوكل، وكان مولعاً به، يفضله على الزهاد، فقال له: صف لي أولياء الله، فقال: يا أمير المؤمنين هم قوم ألبسهم الله النور الساطع من محبته، وجللهم بالبهاء من إرادة كرامته، ووضع على مفارقهم تيجان مسرته»، فأعجب به وأعاده إلى مصر معززاً مكرماً.
اختبار
لم يكن طريق السالك «ذو النون» مفروشاً بالورود، فقد لقي العنت والابتلاءات والاختبارات، وله في ذلك محكيات كثيرة، منها أنه أراد أن يمتحن جارية فامتحنته، بحسب ما رواه بأنه كان سائراً بجوار ساقية، أو نهر، يقول: «انتهيت إلى منظرة عالية هناك، فتوضأت ورجعت، فوقع نظري على المنظرة، فرأيت جارية فى غاية الحسن والجمال، أردت امتحانها، فقلت: لمن أنت يا جارية؟ قالت: يا ذا النون، لما رأيتك بادئ الرأي ظننتك مجنوناً، فلما صرت قُربنا ظننتك عالماً، ثم لما صرت أقرب ظننتك عارفاً، والآن تبين الحال، وانكشف الأمر فما أنت بمجنون، ولا عالم، ولا عارف. قلت: كيف هذا الشأن؟ قالت: فلو كنت مجنوناً ما توضأت، ولو كنت عالماً ما نظرت إلى غير محرمك، ولو كنت عارفاً ما نظرت إلى غير الله، وما التفتّ إلى ما سوى الحق- جل وعلا. قالت هذا الكلام، وغابت عن النظر».
تهذيب النفس
عمل ذو النون على تهذيب نفسه وإبعادها عن الفساد والشهوات، فكان يرى أن الخوف من الذنوب دليلك على أنك في الطريق الصحيح. ويقول: «الفساد يدخل في السالك من ستة أشياء، الأول ضعف النية بعمل الآخرة، الثاني الحرص في الشهوات، الثالث طول الأمل مع قرب الأجل، الرابع اختيار رضا الخلق على رضا الخالق، الخامس متابعة الهوى والبدعة وترك السنة والشريعة، السادس أن يجعل زلات اللسان حجة له وينسى مناقبهم ويظهر الفساد بذلك بين الخلق».
وإضافة إلى كونه صوفياً وقطباً كبيراً ومتفقهاً في الدين، فقد كان من البارعين في الكيمياء، وقد تعلم السريانية، وكان صاحب محاولة في فك رموز البردي في أخميم، وله في ذلك مؤلفات منها «حل الرموز والأرقام في كشف أصول اللغات والأقلام»
أغمض ذو النون عينيه للمرة الأخيرة في عام 245 ه، بالجيزة في مصر، وحمل في قارب مخافة أن ينقطع الجسر من كثرة الناس الذين شيعوا جنازته.